لبنان بين رايات المقاومة وأبواب التطبيع السرية تاريخ يكشف ما أخفته الشعارات

يبدو أن لبنان يقف اليوم أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم شكل العلاقة مع إســرائيــل بعد سنوات طويلة من الحروب والاشتباكات والشعارات السياسية التي سيطرت على المشهد فى المنطقة ومع الحديث المتصاعد عن مفاوضات مباشرة لإنهاء حالة الحــرب والانسحاب الإســرائيــلى من الأراضى اللبنانية يعود السؤال القديم إلى الواجهة هل كانت المواجهة بين لبنان وإســرائيــل طوال العقود الماضية كما ظهرت أمام الشعوب أم أن خلف الستار وجها آخر للعلاقة ظل مخفيا عن الرأى العام
فى الوقت الذى ترتفع فيه أصوات داخل لبنان ترفض أي اتفاق محتمل مع إسـ ـرائيـ ـل تحت شعار المقاومة تكشف وثائق تاريخية وأرشيفات أمنية عن وجود اتصالات وتفاهمات وتنسيقات غير معلنة جرت في فترات حساسة من تاريخ الصــراع وكانت لها نتائج دامية دفعت ثمنها بيروت والمخيمات الفلسطينية وشعب لبنان نفسه
الوثائق التى خرجت من الأرشيف السورى بعد انهيار مؤسسات الدولة السورية كشفت تفاصيل خطيرة لاجتماعات سرية جمعت الرئيس اللبناني الأسبق بشير الجميل مع آرييل شارون فى الثانى عشر من سبتمبر عام 1982 وهى الاجتماعات التى تناولت مستقبل بيروت وآلية التعامل مع الفصائل الفلسطينية المسلحة داخل لبنان
وبحسب ما ورد في تلك الوثائق فإن شارون تحدث بشكل مباشر عن هدف إســرائيــل بتحويل بيروت إلى مدينة آمنة مؤكدا ضرورة دخول القوات الإســرائيــلية للقضاء على المقاتلين الفلسطينيين واعتقالهم داخل العاصمة اللبنانية بينما أبدى بشير الجميل تحفظا على الظهور العلنى لأى دخول إســرائيــلى مباشر مفضلا أن يقود الجيش اللبنانى المشهد حتى لا تبدو الدولة اللبنانية وكأنها تتحرك تحت غطاء إســرائيــلى
لكن المثير فى تلك الوثائق أن الحوار لم يتوقف عند حدود الرفض بل تضمن إشارات واضحة إلى إمكانية وجود تنسيق غير معلن بين الطرفين فى حال واجه الجيش اللبنانى مقاومة داخل المخيمات الفلسطينية وهو ما فتح الباب لاحقا أمام واحدة من أبشع الجرائم فى تاريخ المنطقة داخل مخيمى صبرا وشاتيلا حيث وقعت المذبحة التي لا تزال محفورة فى ذاكرة الشعوب العربية حتى اليوم
وتشير الوثائق كذلك إلى أن الخطة التي جرى التفاهم حولها اعتمدت على قيام أطراف لبنانية بتنفيذ عمليات ما وصف وقتها بتنظيف بيروت من المقاتلين الفلسطينيين بينما تبقى القوات الإســرائيــلية فى الخلف للتدخل عند الحاجة وهو ما يؤكد أن جزءا كبيرا من الأحداث التى ظهرت للعالم باعتبارها مواجهة إســرائيــلية مباشرة كانت فى الحقيقة تحمل أدوارا لبنانية داخلية وتحالفات معقدة جرى إخفاؤها عن الرأي العام
وفى المقابل لم تكن الفصائل الفلسطينية المسلحة بعيدة عن دائرة الاتهام إذ يرى كثيرون أن وجودها العسكرى داخل لبنان فى تلك المرحلة حول الأراضى اللبنانية إلى ساحة مفتوحة للحروب الإقليمية وأن الصــراع خرج وقتها من إطار دعم القضية الفلسطينية إلى فرض واقع عسكرى وسياسى داخل لبنان نفسه ما تسبب فى انقسامات وصدامات دفعت البلاد إلى سنوات طويلة من الدم والفوضى
ومع تصاعد الحديث حاليا عن احتمالات التفاوض والتطبيع يبدو أن التاريخ يعود ليكشف الكثير من الأسرار التى ظلت حبيسة الأرشيف لعقود طويلة ويضع الجميع أمام حقيقة صادمة وهى أن الشعارات التى رفعت باسم المقاومة لم تكن دائما تعبر عن حقيقة التحالفات والتحركات التي جرت خلف الكواليس وأن الصـ ـراع فى المنطقة كان أكثر تعقيدا وتشابكا مما عرفته الشعوب طوال السنوات الماضية








