مقالات

عبد الحي عطوان يكتب: الوداع الأخير ومرارة الذكريات

حجم الخط:
حين لامس قلبه يقين الرحيل، كما همست له التقارير الطبية، لم يجد ملاذًا إلا حيث بدأت الحكاية… الغيط. هناك، حيث انسكب عمره حبةً حبة بين الريّ والزرع والحصاد، وحيث تعلّم أن الأرض ليست ترابًا يُفلح، بل عرضٌ يُصان وقوتٌ يُصنع. مضى إليه كمن يعود إلى صدرٍ قديم، وجلس على حافة الترعة، يُسند خده إلى كفّه، ويُسلم روحه لمدٍّ هادر من الذكريات، يتدفّق من أعماق الطفولة ولا ينقطع.
رأى نفسه صبيًا تشتد سواعده على مقبض الفأس، وسمع صدى صوت أخيه محمود يوم همَّ بالسفر، يوصيه بلهجةٍ لا تعرف التردد: “لا تترك أرضك بورًا ولا عطشى، اجعلها رأس مالك، فهي عرضك وقوتك.” فكان الوعد عهدًا، وكانت الفأس رفيقة العمر التي لم تخنه يومًا ولم يخنها.
وتنساب الذاكرة، رقراقةً كجدولٍ ريفيّ، فيرى الخال مندور يدير الساقية، ممسكًا بالحبل المتدلّي من عنق بقرته، يدور معها في صبرٍ يشبه صلاةً صامتة، تحت ظل شجرةٍ هرِمت فوق الأرض، وبقيت فتيةً في القلب. كانت أغصانها تمتد كأذرع أمّ، تظلّل المكان وتمنح الهاربين من قيظ النهار بعضًا من سكينة. وهناك، كنا نتهافت على ثمار التوت، نقطفها ببراءةٍ ونأكلها دون خوفٍ أو حساب، كأن الطين نفسه كان طُهرًا يُؤكل.
تنهيدةٌ خرجت من صدره، ثقيلةً كالعمر، كأنها تحاول أن تستعيد ما تسرّب من بين الأصابع، غير أن الذكريات، وإن ابتعدت، لا تُمحى؛ تظل نقوشًا على جدار الروح، لا تنال منها السنون.
ويشرق من بين تلك النقوش وجه أخته خديجة، أكبر منه بعامين، وأوسع قلبًا من العالم. كم كانت تُضمّده بحنانها حين يعود من الحقل، يحمل فأسه على كتفه وثيابه ملوّثة بالطين، كأنها تغسل عنه تعب الأرض بلمسةٍ واحدة. ويعود إليه مشهد الخيّاطة وبناتها وهنّ يصعدن إلى الطابق الثاني لأخذ المقاسات، استعدادًا لليلة زفافٍ ،في زمنٍ لم تغزُ فيه الجاهزية البيوت بعد.
ويمتد المشهد… المنجِّد يضرب القطن بعصاه الطويلة على حصيرةٍ مخططة، وصوت المسجّل يشق بيوت القرية بأغانٍ بسيطةٍ صادقة، والناس تتقاطر مهنّئة، تحمل أباريق الشاي العتيقة، كأنها تحمل دفء القلوب في أكوابٍ صغيرة. الزغاريد تعلو، والفرح يفيض من الوجوه، حتى إذا جاءت الليلة الموعودة، عُلِّق الميكروفون ذو الصحن الكبير على سور الدور الرابع من بيت عمّه مسعود، وتجمّع أهل القرية حول الدوّار، تتعانق الضحكات، وتتمايل الأجساد على نغمات المنشد، وتلتقي الأيدي حول الشاي، الضيف الأوفى في أفراحهم. وهناك، يطل ابن عمه موسى، يتراقص بالعصا، حاملًا الجرة فوق رأسه، في مشهدٍ من مهارةٍ وبساطةٍ معًا، فتتعالى الأكفّ تصفيقًا، كأنها تُحيّي الحياة ذاتها.
ثم يخفت الضوء… ويعلو السؤال.
أين ذهبت تلك الأيام؟ أين انطفأت اللمّة؟ أين تسرّبت قيمنا، واحترام الكبير، وهيبة الجد والخال والعم؟ أين تلك البساطة التي كانت تملأ القلوب حتى تكاد تفيض؟ ويتذكّر شابًا من أبناء العمومة، أخفى سيجارته في جيبه المشتعل حياءً من خاله، حتى كاد جلبابه يحترق؛ حكايةٌ صارت ضحكة القرية، ودليلًا على زمنٍ كان الحياء فيه قانونًا لا يُكتب.
يفيق على صوت عابرٍ يحيّيه، فيرتدّ إلى واقعه، ويتذكّر لِمَ جاء… لقد جاء ليقول وداعًا يليق بالبداية.
غير أن الداخل يضجّ؛ قلقٌ يتكاثر، وخوفٌ يتسلّل، وغضبٌ مكتوم، وتشاؤمٌ ثقيل. لم تعد الحياة في عينيه إلا عاصفةً لا تهدأ، محمّلةً بظلماتٍ تخنق الصدور وتثقل الأرواح، حتى غدا اليأس نارًا تلتهم ما تبقّى من رجاء. أنهكه المرض، وتركه في مواجهة أسئلةٍ لا ترحم: ما الذي تبدّل؟ كيف امتلأت الحياة بلاعبيها ومهرّجيها، وأنذالهاوفرسانها، وضحاياها؟ لماذا تباعدت القلوب، وغابت الضحكة، وصارت الليالي موحشةً، تتكاثف فيها الخيبات كما يتكاثف الضباب؟ وكيف تسلّل اليأس إلى النفوس حتى صار شللًا خفيًا، وموتًا بطيئًا لا يُرى؟
ربما يكون اليوم آخره… أو غدًا… أو بعد أيامٍ قليلة، كما تقول الأوراق الباردة.
لكن ينهض في داخله صوتٌ أصدق من الخوف، فيهمس كمن يكتب وصيته على ماء الروح:لا تُطيلوا الوقوف عند الحزن، ولا تدخلوا دهاليز الظلام؛ فالأشباح التي تنمو في صدورنا تقتلنا ونحن أحياء. لا تدعوا الظلمات تبتلعكم وتثقل كل شيء فيكم.
تمسّكوا بالحياة كما يتمسّك الغريق بوميض نجاة، وامضوا نحو الضوء ولو تعثّرت الخطى. اجعلوا أصواتكم مفعمةً بالأمل، فالغد مهما تأخر يحمل نهارًا جديدًا، وحلمًا يستحق أن يولد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى