مقررة المرأة بالاتحاد الدولي للتعليم والبحث العلمى iuesr.com تحلل واقعة كرموز

كتبت د جيهان الشرقاوي رئيس لجنة المرأه بالاتحاد الدولي للتعليم والبحث العلمى iuesr.com واخصائي الإرشاد النفسي والأسرة تحليلا عن مشكلة كرموز وضحت فيها ماذا يحدث عندما يتحول الألم إلى جريمة تحت عنوان قراءة نفسية جنائية في واقعة كرموز بالإسكندرية
لم تكن واقعة كرموز مجرد خبر صادم مرَّ سريعًا في صفحات الحوادث، بل كانت حادثة إنسانية معقدة تمس جوهر تخصصي الذي يجمع بين علم النفس والقانون الجنائي.
فخلف الأرقام والعناوين، توجد نفس بشرية انهارت تحت ضغط يفوق قدرتها على الاحتمال.
القضية — وفق المعطيات المتداولة — تتحدث عن أم مريضة بالسرطان، مطلقة، تعيش ظروفًا اقتصادية قاسية، وتعول ستة أبناء، لتنتهي المأساة باتفاق مأساوي بينها وبين ابنها الأكبر أدى إلى قتل الأشقاء ثم محاولة إنهاء حياتهما.
هذا النوع من الجرائم لا يُفهم بالغضب أو الإدانة السريعة فقط، بل يحتاج قراءة نفسية جنائية عميقة لفهم كيف يصل العقل الإنساني إلى هذه النقطة المظلمة.
⸻
أولًا: التحليل النفسي لشخصية الأم
1. اكتئاب شديد مصحوب بيأس وجودي
اجتماع عوامل مثل:
• مرض مهدد للحياة (السرطان)
• الطلاق
• الفقر
• مسؤولية إعالة عدة أطفال
يشكّل ما يُعرف نفسيًا بـ الضغط النفسي الكارثي، وهو أحد أقوى المحفزات لاضطراب الاكتئاب الجسيم (Major Depressive Disorder).
ومن أبرز سماته:
• شعور عميق بالعجز.
• فقدان الإحساس بالمستقبل.
• التفكير الكارثي (Catastrophic Thinking).
• الإحساس بأنها أصبحت عبئًا على أبنائها.
في هذه المرحلة لا يرى المريض الواقع كما هو، بل كما يلوّنه الاكتئاب.
⸻
2. التفكير الإنقاذي المشوَّه (Altruistic Filicide)
في علم النفس الجنائي يوجد نمط معروف يسمى:
القتل بدافع الإيثار المرضي (Altruistic Filicide)
حيث تعتقد الأم — تحت تأثير اضطراب نفسي شديد — أنها تنقذ أبناءها من معاناة مستقبلية.
الأفكار هنا تكون مثل:
• “لن يستطيعوا العيش بدوني.”
• “المستقبل قاسٍ عليهم.”
• “الموت أرحم من الحياة القادمة.”
وهذا ليس دافعًا عدوانيًا، بل تشوّه إدراكي ناتج عن مرض نفسي حاد.
3. انهيار الهوية الأمومية
الأمومة ليست مجرد علاقة، بل هوية نفسية كاملة.
عندما تشعر الأم أنها:
• غير قادرة على العلاج،
• عاجزة عن الإعالة،
• غير قادرة على الحماية،
يحدث ما نسميه انهيار الدور الأمومي، وهو شعور ساحق بالعار والفشل الوجودي.
4. احتمال الاكتئاب الذهاني (Psychotic Depression)
في بعض الحالات المتقدمة، يتحول الاكتئاب إلى حالة ذهانية يظهر فيها:
• تشوه إدراك الواقع.
• أفكار قدرية مطلقة.
• قناعة بأن الموت هو الحل الوحيد.
وهنا يصبح الحكم العقلي على الأمور ضعيفًا بشدة.
5. طلبها من الابن قتلها
هذا السلوك يشير بوضوح إلى:
• رغبة انتحارية مكتملة.
• استسلام نفسي كامل.
ويُصنف ضمن ما يسمى:
Suicide Pact (الاتفاق الانتحاري).
ثانيًا: التحليل النفسي لشخصية الابن
1. صدمة نفسية مركبة
الابن واجه عدة صدمات متزامنة:
• مرض الأم.
• غياب الأب.
• ضغط المسؤولية المفاجئ.
• الخوف من انهيار الأسرة.
هذا التراكم قد يؤدي إلى انهيار نفسي حاد.
2. التماهي المرضي مع الأم
في التحليل النفسي يظهر مفهوم:
Identification with the Mother
حيث يندمج الابن نفسيًا مع مشاعر الأم لدرجة أنه:
• يتبنى رؤيتها للعالم،
• يشعر بألمها كأنه ألمه،
• وينفذ ما يعتقد أنه خلاص لها.
3. الطاعة العاطفية القهرية
في الأسر شديدة الضغط، يتحول الابن الأكبر إلى ما يشبه “البديل النفسي للأب”، مما يخلق:
• ارتباطًا عاطفيًا شديدًا بالأم،
• إحساسًا مفرطًا بالمسؤولية،
• طاعة انفعالية تتجاوز التفكير العقلاني.
4. حالة انفصال نفسي مؤقت (Dissociation)
تنفيذ فعل شديد العنف قد يحدث أثناء حالة:
Dissociative State
حيث:
• ينخفض الوعي الانفعالي،
• يعمل العقل بطريقة آلية،
• يحدث الفعل دون إدراك كامل لنتائجه.
5. محاولة الانتحار بعد الجريمة
محاولته إنهاء حياته لاحقًا تشير إلى:
• عودة الوعي الكامل بعد الصدمة.
• انهيار ضمير شديد.
• صدمة إدراكية عقب الفعل.
وهو نمط معروف في جرائم قتل الأسرة متبوعة بمحاولة الانتحار.
التفسير النفسي الجنائي العام للجريمة
الأقرب علميًا أن ما حدث يندرج تحت:
Extended Suicide (الانتحار الممتد)
حيث:
1. يرغب الشخص في إنهاء حياته.
2. لكنه يقتل أفراد أسرته أولًا اعتقادًا بأنه يحميهم من المعاناة.
هنا لا يكون الدافع كراهية، بل يأس مرضي فقد القدرة على رؤية أي احتمال للحياة.
الخلاصة النفسية
الأم:
• اكتئاب شديد
• يأس وجودي
• تشوه إدراكي
• رغبة انتحارية واضحة
الابن:
• صدمة نفسية مركبة
• تماهٍ عاطفي مع الأم
• انهيار انفعالي
• تنفيذ الفعل تحت ضغط نفسي قاهر
كلمة أخيرة
هذه الجرائم لا تولد فجأة، بل هي النهاية الصامتة لسلسلة طويلة من الألم غير المرئي.
والسؤال الأهم ليس فقط: كيف حدثت الجريمة؟
بل: أين كان الدعم النفسي والاجتماعي قبل أن تصل الأسرة إلى هذه اللحظة؟
فأحيانًا، أخطر الجرائم ليست تلك التي تبدأ بالعنف… بل تلك التي تبدأ باليأس.
واوصت في النهاية بضرورة الترابط الأسرى والبعد عن السوشيال ميديا








