إنَّما أنتَ أيام…..
بقلم الدكتور : يسري عمار
ممّا لا شكَ فيه ولا ريب أن الوقتَ هو الحياة. بل هو رأس مال غيرُ قابلٍ للتجديد أو الإحلال، وهو أندرُ وأعظمُ موردٍ إنساني، بل هوَ ما يُفسَّر به الفرقُ بين الإنجاز والفشل من حيثٌ الإستخدام الفعّال والملائم للوقت. وما من عملٍ يُؤدي إلا وأُخذَ الوقت في الحُسبان، وليس هناك وسيلة لإيقاف دوران الزمن أو إسترجاع الوقت.
ومن ثَمَّ يجب إستثماره لا إنفاقه، وهو الشيء المشترك بين الجميع وهو للجميع. ولكن هناك إختلاف في كيفية إستغلال الوقت من شخصٍ لآخر وكيفية إدارة الوقت والتي تعني فرض سيطرتنا عليه بدلًا من أن يفرض سطوتهُ علينا، بل ويجب علينا ترويضه لمصلحتنا فهو نعمة من نِعَمِ الله سبحانه ولا يُمكن تعويضه ولا يُمكن إدخاره، ولا يُمكن شراؤه بالمال، ولايمكن تمديده فهو غيرُ مرن ويمضي سريعًا، ولا غنيً عنه فكل الأهداف والآمال بحاجةٍ إليه، وقد أقسم الله عزَّ وجل به في أكثر من موضع في القرآن الكريم، وهذا لخيرٌ دليلٍ علي عِظمِ قدر الوقت، والرسول صلي الله عليه وسلم فيما رواه الأصبهانيُّ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:- قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ( النادمُ يَنتظرُ من اللهِ الرحمة، والمُعجِبُ ينتظرُ المَقْتَ، واعلموا عبادَ الله أنّ كلَ عاملٍ سَيقْدُمُ علي عَملِه ولا يخرُجُ من الدنيا حتي يري حُسنَ عمله وسوءَ عمله، وإنَّما الأعمالٌ بِخَواتيمها، والليل والنهار مَطِيَّتَان فَأحْسِنُوا السير عليهما إلي الآخرة ، واحْذَروا التسويف، فإن الموتَ يأتي بغتة، ولا يغْترَّنَ أحدُكُم بحلمِ الله عز وجل فإنَّ الجنة والنار أقربٌ إلي أحدكم من شِراكِ نَعلِه، ثُمَ قَرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فمن يَعْمل مِثقال ذرةٍ خيرًا يره. ومن يَعمل مثقال ذرة شرًا يَرَه)
وإذا ما كُنَّا ودعنا رمضانَ بعدَ أن التَمَسْنا في ظِلالهِ الوارِفة مزيدًا من رِفعة الدرجات وتكفير السيئات وتقوية الأواصر والصلات، وارتقت النفوس واستضاءت بضياء رمضان والصيام والقيام والقرآن فما المانع أن نَعِي قدرَ الوقت ونغْتَنمَهُ أيَّما إغتنام، فالمواسمُ تعود، والإنسان لا يعود
فلم لا ينتصرُ الإنسانُ علي أغلال الغرائز ويتحرر من قيودها ويُحرر نفسه من سلطان شهواته ويكبحُ جماحَ شيطانه وهو قد خرجَ لفوره من تدريبٍ ميداني وعمليّ علي قوةِ الإرادة وإدارة الوقت والحقيقة أنَّ الإسلامَ قد سَبقَ علماء الإدارة الذين تُنسبُ إليهم مباديء هذا العلم أمثال فريدريك تايلور (f. Taylor) المُلقب بأبي الإدارة العلمية وكذلك العالم هنري فايول( h. fayol) مؤسس علم الإدارة العامة والصناعية، بل إن تراثنا الإسلامي والعربي غنيٌّ بالمباديء والأسسِ الجليلة والإهتمام بوقت المسلم وحثه علي عدم إضاعته، فوقت المسلم أمانة عنده وهو مطالبٌ بعدم التفريط فيه أو إهداره، فالوقت من أهم عناصر الإنتاج، ولأهميته بيّنَ ربُنا سبحانه أنه هو الذي يُقدر الليل والنهار وهو الذي قدّر التكاليف ونظّمَ حياة المسلم ووقته وإنطلاقه إلي ميدان الحياة، وجعل عمله كله عبادة لله عز وجل…. وبذلك أصبح الوقت في حياة المسلم عبادة ممتدة.
ولذلك قال الحسن البصري رحمه الله: ( أدركتُ أقوامًا كان أحدهم أشحَّ علي عمره منه علي درهمه ودنانيره)
أما آنَ الأوان أن نفهم ديننا حقًا ونعي مقاصد التشريع في عباداتنا .
ها نحن قد صُمّنَا رمضانَ وتَهيئت أنفسنا واعتادت التحكم والإرادة والتحمل فلما لا ننطلق فنعبدَ ربنا حقَ العبادة ونعملَ حقَ العمل ونبني ونُخلص فنكون بذلك وفي ذلك كله في عبادة ونُقدر نعمة الوقت وأننا بفضلٍ من الله ونعمةٍ ما زِلنا علي ظهرِ الأرض وغيرنا كثيرون في باطن الأرض وتحت أطباقِ الثري.
كُنْ فَطِنًا واحذرْ واعلم أنما أنت أيام…..








