مقالات

فريد عبد الوارث يكتب: خريف المليارات وهيبة الكنانة: حين تصون “العقيدة المصرية” سماء العرب

حجم الخط:
في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة حيث تتساقط المُسيرات الإيرانية كالمطر الأسود فوق مرابض النفط وشرايين الاقتصاد الخليجي يبدو المشهد سريالياً بامتياز، دولٌ تكدست في مخازنها أحدث ترسانات الغرب ومع ذلك تقف عاجزة أمام اختراق سيادتها! بينما تظل “القاهرة” الرقم الصعب في معادلة الردع ليس بالمال بل بخبرة الدم والبارود التي لا تُباع ولا تُشترى في صفقات السلاح المشروطة.
لقد قدمت القاهرة يوماً مقترحاً تاريخياً لتشكيل “جيش عربي موحد” – نواة صلبة تقف في وجه الأطماع الإيرانية وتمدداًت ميليشياتها – لكن هذا المقترح قوبل ببرود سياسي وحسابات ضيقة فضلت “الاستقواء بالخارج” على “الاحتماء بالبيت” واليوم، وبينما تعبث المسيرات في قلب المنشآت الحيوية وتتصاعد أعمدة الدخان من مصافي البترول تبدو عواقب هذا الرفض مريرة وتكشف عن عُري استراتيجي لم تغطّه صفقات السلاح المليارية التي تحولت في ساعة الجد إلى “تلال من الخردة الغالية”.
وبينما يتساءل البعض عن جدوى السلاح العربي تعيد الذاكرة العسكرية فرض نفسها بفرض حقيقة لا تقبل الجدل؛ وهي نجاح منظومة الدفاع الجوي المصري “حارس السماء” في تأمين سماء الكويت الشقيقة، لم تكن مجرد صواريخ ورادارات بل كانت تجسيداً لذكاء عسكري مصري طوع التكنولوجيا لخدمة الجغرافيا حيث أثبتت كفاءة منقطعة النظير في صيد الأهداف الصغيرة والمنخفضة التي “عجزت” عنها منظومات الـ “باتريوت” و”الثاد” الأمريكية باهظة الثمن!! هذا النجاح يفتح جرحاً غائراً من التساؤلات: لماذا لم يستثمر الخليج في التصنيع العسكري المصري المتميز؟ ولماذا فضلوا ارتهان أمنهم لشركات غربية تبيعهم “سلاح العرض” وتمنع عنهم “سلاح المعركة”؟
إن المشهد الحالي يضع علامات استفهام قاسية أمام العواصم التي استمرأت الاعتماد على المظلات الدولية الممزقة، وهنا يثور التساؤل الجوهري الذي يتردد بمرارة في أروقة الشارع المصري: “ماذا تريدون من مصر؟! هل تريدونها أن تحرك قواتها العسكرية لمحاربة إيران؟!! إن دول الخليج نفسها لم تدخل في حرب ضد النظام الإيراني رغم الصواريخ التي تنهمر عليها ليل نهار ولم نسمع سوى نغمة الضعفاء المستكينة: ‘نحتفظ بحق الرد’..!”
أين تلك الأساطيل الجوية التي أنفقتم في شرائها المليارات؟ تملكون F15 ويوروفايتر تايفون وF18 سوبر هورنت ورافال و أنظمة دفاع جوي باهظة الثمن، فلماذا لا تخرجونها من مخازنها لتذود عن كرامتكم؟ وأين ذهبت معاهدات الدفاع الاستراتيجي مع باكستان التي قيل يوماً إنها صمام أمان؟ إن الحقيقة المرة هي أنكم لم تعلنوا الحرب على إيران التي انتهكت سيادتكم، فكيف تريدونها من مصر؟! مصر التي تعايرونها بفقرها وأزماتها متناسين أن القوة ليست في خزائن الأموال، بل في إرادة الرجال.
إن الرسالة المصرية اليوم واضحة وصريحة ولن تحيد عنها قيد أنملة: “نقطة دم جندي مصري أثمن وأطهر وأغلى من مال الدنيا، وجند مصر للدفاع عن تراب مصر” لقد ولى زمن “البندقية للإيجار” ومصر التي مُدت يدها بالتحالف العسكري الصادق ورُفضت لن تكون وقوداً لمعارك يخشى أصحاب الأرض خوضها.
إن رفض تشكيل الجيش الموحد لم يكن مجرد قرار سياسي عابر بل كان “انتحاراً استراتيجياً” وضع المنطقة تحت رحمة الابتزاز الإيراني والخذلان الغربي.
وليعلم الجميع أن نيران المصافي المشتعلة هي “فاتورة” التأخر في الاعتماد على الذات العربية الصادقة، لقد أثبتت التجربة أن مصر هي السند لكنها أبداً لن تكون “الأجير” ومن أراد حماية ملكه ونفطه فعليه أن يبدأ بهز غبار مخازنه أولاً ويثبت جدارته بالسيادة أو ليعتذر للقاهرة عن زمنٍ رفض فيه يدها الممدودة بالبناء العسكري المشترك، يوم كان للأمان “حارس” وللسماء “درع” مصري بامتياز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى