مقالات

السلام… حين يصبح البقاء هو الحلم بقلم : مريم عماد رمزي

مريم عماد رمزي

حجم الخط:
لم يعد السلام كلمة تُقال في الخطب، ولا شعارًا يُرفع في المؤتمرات، بل صار صرخةً مكتومة تخرج من بين الركام. صار وجعًا حيًّا نراه في العيون قبل أن نسمعه في الأخبار، ونلمسه في القلوب قبل أن نقرأه في العناوين. صوت الطائرات، دوي الانفجارات، صفارات الإنذار… كلها أصبحت خلفية لحياتنا اليومية، وكأن الألم صار روتينًا يوميًا لا ينتهي.
هناك أمٌّ تحتضن رضيعها، لا لتهدهده هذه المرة، بل لتودّعه. تضمه بكل ما تبقى فيها من دفء، وتسقيه من دموعها قبل أن تغمض عينيها للأبد. كأن آخر ما أرادته أن يبقى طفلها دافئًا ولو للحظة أخيرة. مشهد واحد يكفي ليجعل القلب يعيد حساباته كلها… أيُّ حربٍ هذه التي تنتزع طفلًا من حضن أمّه، وأمًّا من حضن الحياة؟
وهناك ابنٌ يصرخ من شدّة الألم: “آه…” صرخة تهزّ القلوب، لكن صرخات أهله كانت أوجع، لأن العجز حين يسكن قلب من نحب يصبح أقسى من كل الجراح. أن ترى الألم ولا تستطيع دفعه… تلك حرب أخرى لا يراها أحد.
وفي مكان آخر، شابٌّ كان يحلم بالغد؛ بعملٍ يليق بتعبه، وببيتٍ يضم أحلامه الصغيرة، وبحياةٍ عادية تشبه أحلام البسطاء. وفجأة، انكمش الحلم كله في رغيف عيشٍ حاف، يسد به جوع يومٍ طويل وفي أن لا يري مكروهاً في احبائة . كيف يتحول الحلم من مستقبلٍ واسع إلى لقمة بالكاد تُبقيه حيًّا؟
وطفلٌ كان يلعب كأي طفل، لا يعرف من الدنيا سوى ضحكته، وجد فتات طعام على الأرض فابتسم، وشعر أنه محظوظ… لأنه وجد ما يأكله في زمن الحصار دون أن يُقصف. أيُّ زمنٍ هذا الذي يشعر فيه طفل أن الطعام صدفة سعيدة لا حقًّا طبيعيًا؟
كانت هناك بيوت جميلة، مليئة بالذكريات والأحلام، تفيض دفئًا وضحكات وصورًا معلّقة على الجدران. وفجأة… صارت كُتَلًا من أرض وحجارة. صرنا نبحث تحت الركام لا عن ألعاب الأطفال ولا عن ألبومات الصور، بل عن جثث… عن ملامح نعرفها، وعن أسماء كانت يومًا تنادينا.
ما ذنب الأبرياء الذين يُقتلون بأبشع الطرق ويعيشون الرعب بعينه كل يوم بلا رحمة ولا ذنب؟ ما خطيئتهم سوى أنهم كانوا هنا، في المكان الخطأ، في اللحظة الأشد قسوة؟ أي قلبٍ يحتمل أن يرى أرضًا كانت يومًا تنبض بالحياة وقد امتلأت بالدماء المسفوكة؟
تُرى… من سيخلد في هذه الدنيا؟ ومن منّا باقٍ حتى يستحق كل هذا الصراع؟ أي شيءٍ ذاك الذي يستحق أن نحارب بعضنا من أجله، ونخسر لأجله قلوبًا وأعمارًا وأوطانًا كاملة؟
ألا نستحق هدنة، ولو قصيرة، نلتقط فيها أنفاسنا من الحروب؟ ألا نستحق ليلة واحدة ننام فيها بسلام، دون أن نرتجف من صوت طائرة، أو ننتفض على صفارات إنذار تمزق سكون الليل؟
ألا يستحق الذين يحبوننا في بلاد بعيدة أن تطمئن قلوبهم علينا؟ ألا يستحقون أن يناموا دون خوف من خبر عاجل قد يسرق منا الحياة في لحظة؟
وما ذنب طفل يولد كل يوم على هذه الأرض؟ طفل لم يختر خريطته، ولا اسمه، ولا الحرب التي فتحت عينيه عليها… بأي حق نورّثه الخوف بدل الأمان؟
لقد كنّا نركض يومًا خلف مستقبل أفضل، نخطط ونحلم ونؤجل الفرح قليلًا. لم نكن نعلم أننا سنصل إلى يوم نُعافِر فيه لا من أجل الأحلام، بل من أجل الحياة نفسها.
المرض لم يكن يومًا سبب موت المرضى بقدر ما كانت الحروب. كان المرض — رغم قسوته — أرحم على الجسد من أخيه الإنسان. فالمرض يؤلم، نعم، لكنه لا يقصف البيوت فوق ساكنيها، ولا يحوّل المستشفيات إلى ساحات انتظار للمجهول. كم هو موجع أن يصبح الخطر الذي نخافه من الطبيعة أهون بكثير من الخطر الذي يصنعه البشر بأيديهم.
السلام لم يعد رفاهية، ولا مطلبًا مؤجلًا. السلام صار أبسط حق إنساني نحلم به… ونخشى، في صمت موجع، ألّا نبلغه.
ويبقى الوطن دائمًا وأبدًا خالدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى