مقالات

عبدالحى عطوان يكتب : التعديل الوزاري بين حق الدولة في الاختيار وحق الناس في التساؤل

حجم الخط:
لستُ ضد التعديل الوزاري، ولا ضد الأسماء التي جاءت ضمنه، فالأصل أن أي دولة من حقها أن تعيد ترتيب أوراقها التنفيذية متى رأت ضرورة لذلك. لكن في المقابل، من حق الرأي العام أن يتساءل، وأن يبحث عن معايير واضحة تحكم الاختيار والمحاسبة، خاصة في مرحلة دقيقة اقتصاديًا واجتماعيًا.
السؤال الأول الذي يفرض نفسه: على أي أساس يتم رحيل وزير؟
هل خضع لتقييم موضوعي معلن يوضح ما تحقق وما لم يتحقق؟ هل تمت محاسبته سياسيًا أو إداريًا إن كانت هناك إخفاقات؟ أم أن انتقال بعض المسؤولين من موقع إلى آخر – أحيانًا من وزارة إلى محافظة أو العكس – يعطي انطباعًا لدى البعض بأن المنصب قد يكون مكافأة أكثر منه مسؤولية تخضع للتقييم؟ الشفافية هنا ليست ترفًا، بل ضرورة لتعزيز الثقة بين الحكومة والمواطن.
السؤال الثاني يتعلق بمعايير اختيار القادمين الجدد.
في كل تعديل، تتردد روايات واتهامات – بعضها قد يكون صحيحًا وبعضها الآخر شائعات. لكن المشكلة ليست في الاتهام ذاته، بل في غياب رد رسمي واضح وحاسم يقطع الشك باليقين. حين تُثار تساؤلات حول خلفيات بعض الأسماء أو تجارب سابقة مثار جدل، فإن أفضل رد هو المكاشفة: بيان يوضح الحقائق كاملة، ويؤكد أن من يتولى المسؤولية يخضع لمراجعة دقيقة قانونيًا وماليًا وأخلاقيًا.
فعلى سبيل المثال اليوم، عندما يُثار في المجال العام حديث عن وقائع سابقة تخص إحدى الوزيرات، مثل اتهامات بالتربح أو الإحالة للتحقيق للأموال العامة ورد مبالغ مالية، أو يُتداول جدل بشأن ملكية فكرية وأعمال بحثية منسوبة إلى وزيرة أخرى، فإن المسألة لا ينبغي أن تبقى في إطار الشائعات أو التداول غير الموثق.
إن كانت تلك الوقائع قد حُسمت قضائيًا وثبتت براءة أصحابها، فمن حقهم ومن حق الرأي العام إعلان ذلك بوضوح. وإن كانت هناك تحقيقات أو ملاحظات سابقة جرى التعامل معها، فمن حق الناس أن تعرف كيف تم تقييمها، فالمناصب العامة ليست مجرد كفاءة فنية، بل ثقة عامة، وهذه الثقة لا تُبنى إلا بالمكاشفة.
وحتى لو افترضنا أن بعض ما يُتداول غير دقيق، يبقى السؤال: لماذا تضع الحكومة نفسها في موضع حرج باختيار شخصيات يحيط بها جدل؟ أليست مصر مليئة بالكفاءات المتنوعة في الجامعات، والقطاع الخاص، والمؤسسات البحثية، والإدارة المحلية؟ هل ضاقت دائرة الاختيار إلى حد التدوير في نطاق محدود من الأسماء؟
المواطن البسيط لا يعنيه اسم الوزير بقدر ما يعنيه أثر القرار: هل تحسنت الخدمات؟ هل انخفضت الأسعار؟ هل زادت فرص العمل؟ هل وُضع مسار واضح ومستدام لإدارة الدين العام وتقليل أعبائه؟
وعلى سبيل المثال، حين نتحدث عن شخصيات اقتصادية لها باع طويل في المجال الأكاديمي أوالبرلماني، فإن التقييم العادل يجب أن يكون مرتبطًا بالنتائج. التجربة في مواقع رقابية مثل لجنة الخطة والموازنة تُقاس بمدى تأثيرها الفعلي في ضبط الإنفاق، ومراجعة أولويات الموازنة، وممارسة رقابة حقيقية على الدين العام، لا فقط بسلامة الطرح النظري أو الحضور الإعلامي.
القضية إذن ليست مع أشخاص بعينهم، بل مع فلسفة إدارة المناصب العامة:
هل لدينا نظام تقييم دوري معلن؟
هل هناك محاسبة سياسية حقيقية؟
هل تُدار عملية الاختيار بمعايير واضحة تُغلق باب الشك وتُعلي من قيمة الكفاءة والنزاهة؟
في دولة بحجم مصر وتاريخها، لا ينبغي أن يكون التعديل الوزاري مجرد خبر عابر، بل محطة مراجعة شاملة تُجيب عن سؤال جوهري: هل نحن نسير في الاتجاه الذي يشعر به المواطن في تفاصيل حياته اليومية؟
الناس لا تبحث عن صدام، بل عن وضوح. ولا تطلب المستحيل، بل تريد أن تطمئن إلى أن من يتولى المسؤولية جاء وفق معايير معلنة، وسيُحاسب بالقدر ذاته من الجدية.
فالثقة تُبنى بالشفافية، وتُحفظ بالمحاسبة، وتترسخ حين يرى المواطن أثر القرار في واقعه، لا في البيانات الرسمية فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى