مقالات

فريد عبد الوارث يكتب: كيف يُعاد تشكيل الشرق الأوسط؟

حجم الخط:

لكي نفهم ما يجري في الإقليم لا بد من تجاوز الصورة التقليدية للصراع والنظر إلى ما يُدار خلف الكواليس، فعلى الرغم من امتلاك إسرائيل السلاح النووي منفردة في المنطقة وتفوقها العسكري المدعوم أمريكيًا بشكل يجعل جيشها الأقوى مقارنة بجيوش الشرق الأوسط مجتمعة إضافة إلى دعم دولي ثابت، فإن الشعور بالأمن لا يزال غائبًا عن عقيدتها الاستراتيجية.

تنطلق الرؤية الإسرائيلية من قناعة مفادها أن الأمان الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر إضعاف الدول الإقليمية الكبرى القادرة على تغيير موازين القوى مستقبلًا، وفي مقدمتها مصر والسعودية وتركيا وإيران هذه الدول، بحجمها الجغرافي والديموغرافي والتاريخي، تمثل تهديدًا كامناً لا يمكن تجاهله في أي لحظة تحول دولي.
بدل الدخول في صدام مباشر تقوم الاستراتيجية على ربط المصالح والمصائر بحيث يصبح استقرار هذه الدول مرهونًا بشبكة معقدة من الاعتماد المتبادل تنتهي عند إسرائيل، دون أن يقابل ذلك أي اعتراف حقيقي بحقوق العرب أو الفلسطينيين مع احتفاظ إسرائيل بالأراضي التي استولت عليها باعتبارها أمرًا واقعًا غير قابل للمراجعة.
في الحالة المصرية، يبرز ملف مياه النيل بوصفه أخطر أوراق الضغط فالنيل ليس مجرد مورد مائي، بل أساس وجود الدولة المصرية نفسها ومن هنا يظهر الدعم غير المباشر لإثيوبيا في بناء السد، وصولًا إلى صيغة تجعل استمرار تدفق المياه إلى مصر مشروطًا بمعادلات سياسية تتجاوز حدودها وتحول حق الحياة إلى ورقة تفاوض.
في السياق ذاته تُطرح أفكار تمنح إثيوبيا حق بيع مياه النيل للدول الراغبة في شرائها، طالما بقيت الحصة المصرية محفوظة شكليًا هذا الطرح يمنح أديس أبابا نفوذًا إقليميًا واسعًا ومكاسب اقتصادية كبيرة، ويؤسس لتحول خطير يجعل المياه سلعة تخضع لمنطق السوق لا للحقوق التاريخية.
ومع التطور التكنولوجي، لم يعد الحديث عن نقل مياه النيل إلى دول خليجية مجرد سيناريو نظري بل احتمالًا قابلًا للتنفيذ، ما يوسع دائرة التشابك ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
في المقابل، يُدار الربط مع السعودية من زاوية مختلفة تعتمد على التكنولوجيا و مسارات التحول الاقتصادي فتصبح إسرائيل شريكًا أساسيًا في مشاريع المستقبل، من الاقتصاد الرقمي إلى الأمن السيبراني والطاقة، بما يجعل الفكاك من هذا الارتباط أمرًا بالغ الصعوبة.
في النهاية، تتشكل معادلة إقليمية جديدة لا تقوم على الاحتلال المباشر أو الحروب التقليدية، بل على التحكم في الموارد الحيوية ومسارات التنمية وبهذا، تتحول إسرائيل، مدعومة بقوى غير عربية وحلفاء دوليين، إلى لاعب مركزي في ضبط إيقاع الأمن والاقتصاد، والتحكم في حركة دول تاريخية كان يمكن لها، في لحظة فراغ دولي واحدة، أن تعيد رسم خريطة القوة في المنطقة.
في المقابل، تدرك مصر بعمق ما يُحاك في الإقليم، وتتعامل مع المشهد بوعي استراتيجي يتجاوز ردود الأفعال الآنية، فالقاهرة لا تنظر إلى الضغوط المحيطة بها بوصفها ملفات منفصلة، بل كجزء من منظومة متشابكة تستهدف موقعها ودورها التاريخي ومن هذا المنطلق، تعمل الدولة المصرية على إعداد سيناريوهات متعددة للتعامل مع مختلف الاحتمالات، تبدأ بالمسارات السياسية و الدبلوماسية والقانونية، ولا تنتهي عند الخيارات الصلبة، بما فيها السيناريو العسكري باعتباره خيارًا أخيرًا لحماية الأمن القومي ومصادر الحياة وهذا الاستعداد المتوازن يعكس إدراكًا مصريًا بأن الحفاظ على الدولة لا يقوم على حسن النوايا وحده، بل على امتلاك القدرة والاستعداد لفرض الإرادة عندما تفرض اللحظة ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى