نسيم

يمر النسيم خفيفا فلا يلتفت اليه كثير من الناس لكنه يترك اثرا لا تصنعه الرياح القوية وكذلك الحياة فليست التحولات الكبرى وحدها هي التي تغير الانسان بل التفاصيل الهادئة التي تمر عليه دون ضجيج وتترك في قلبه معنى جديدا لا ينساه مع مرور الزمن
ومع الايام يدرك الانسان ان اكثر اللحظات قيمة ليست تلك التي امتلأت بالاحتفال بل تلك التي شعر فيها بالسكينة وهو يجلس مع نفسه يتأمل ما مضى وما ينتظره دون خوف فيعرف ان الراحة ليست هدية تمنحها الظروف بل حالة يصنعها القلب عندما يتخلص من اثقال القلق ويقترب من اليقين
ويتعلم ايضا ان بعض الاشياء الجميلة تأتي ببطء حتى نحسن استقبالها وان الاستعجال قد يحرمنا من متعة الرحلة لذلك يصبح اكثر صبرا على احلامه واكثر ثقة بأن ما كتبه الله له لن يفوته مهما طال الانتظار ومهما تبدلت الوجوه والايام
ومع كل تجربة يعبرها يكتشف ان القوة الحقيقية لا تكون في مقاومة العالم كله بل في مقاومة اليأس الذي يحاول ان يسكن داخله لأن الانسان اذا انتصر على خوفه صار الطريق مهما طال اقصر مما كان يظن وصارت العقبات دروسا تزيده فهما ولا تنقص من عزيمته
وحين ينظر الى السنوات التي مضت لا يتذكر عدد الايام التي عاشها بل يتذكر المواقف التي صنعت ابتسامته والاشخاص الذين تركوا في قلبه اثرا طيبا واللحظات التي شعر فيها ان الله يدبر له اموره برحمة لم يكن يراها في وقتها
يفهم ان النسيم لا يغير شكل الارض في لحظة لكنه ينعشها بهدوء وكذلك الكلمة الصادقة والعمل الطيب والصبر الجميل فهي اشياء تبدو صغيرة لكنها مع مرور الوقت تصنع حياة اكثر صفاء وقلبا اكثر اطمئنانا وروحا تعرف ان الخير لا يتأخر ابدا عن صاحبه





