منوعات

هل كره البشر لك نعمة؟ أحيانًا يكون الوجع هو الشيء الذي ينقذك من الجميع

حجم الخط:
أحيانًا أجلس مع نفسي وأسأل سؤالًا لا أجد له إجابة سهلة: هل من الممكن أن يكون كره البشر لنا، ذلك الشعور الذي نظنه في البداية لعنة، نعمة متأخرة لا نفهمها إلا بعد أن يهدأ كل شيء؟ هل يمكن أن يكون الغِل الذي وُضع في طريقنا، والحقد الذي أُخفي خلف ابتسامات كثيرة، والضيق الذي شعر به البعض من وجودنا، والعداء الذي جاءنا من حيث لم نتوقع، كل ذلك لم يكن بالضرورة نهاية شيء جميل، وإنما بداية اكتشاف شيء أكثر أهمية؟ ربما نحن نتألم من كراهية الآخرين لأننا ننظر إليها بعين الإنسان الذي يريد أن يكون محبوبًا، وننسى أن الإنسان في مراحل كثيرة من عمره لا يحتاج إلى أن يكون محبوبًا بقدر ما يحتاج إلى أن يكون واعيًا بمن حوله، لأن المحبة الزائدة أحيانًا تُخدّر، بينما الكراهية تكشف، والمحبة قد تجعلنا نغمض أعيننا عن عيوب من نحب، لكن العداء يجبرنا على النظر إلى الوجوه جيدًا، ويجعلنا ننتبه إلى تفاصيل كنا نمر عليها كل يوم دون أن نفهم معناها.
نحن لا نتوجع من الحقد لأنه أقوى منا، وإنما لأننا في داخلنا نملك رغبة قديمة جدًا في أن نكون مقبولين، نريد أن ندخل الأماكن دون أن نشعر بأن أحدًا يضيق بنا، ونريد أن ننجح دون أن يزعج نجاحنا أحدًا، ونريد أن نكون أنفسنا دون أن يدفعنا ذلك إلى خسارة الناس، لكن الحياة لا تمنحنا هذه الرفاهية دائمًا، فكلما كبر الإنسان، اكتشف أن وجوده نفسه قد يصبح سببًا في ارتباك الآخرين، ليس لأنه فعل شيئًا لهم، وإنما لأن كل إنسان يرى العالم من نافذته الخاصة، وقد يكون مجرد حضورك تذكيرًا لشخص آخر بحلم لم يحققه، أو بقرار ندم عليه، أو بفرصة ضاعت منه، أو بشخصية كان يتمنى أن يمتلك شيئًا منها، وربما لا يعرف هو نفسه لماذا يشعر بالضيق منك، لكنه يشعر به، فيبدأ في اختراع أسباب منطقية لمشاعر بدأت في مكان آخر تمامًا.
والأقسى من أن يكرهك شخص لا تعرفه، أن يكرهك شخص كنت تظنه مأمونًا، لأن الغريب حين يؤذيك يترك جرحًا، أما القريب حين يفعلها فيترك سؤالًا. تسأل نفسك كيف استطاع أن يفعل ذلك وهو يعرف تفاصيلك؟ كيف عرف نقاط ضعفك ثم استخدمها ضدك؟ كيف جلس معك يومًا، وضحك معك، وسمع أحلامك، وربما شجعك عليها، ثم اكتشفت في لحظة ما أنه كان يتمنى في داخله ألا تصل إليها؟ هذه ليست مجرد خيانة موقف، وإنما صدمة في مفهومك عن البشر، لأنك لا تبكي وقتها على الشخص وحده، بل تبكي على النسخة التي صنعتها له في قلبك، على الصورة التي صدقتها، على الأمان الذي منحته إياه، وعلى سنوات كنت تظن فيها أن بعض الوجوه لا يمكن أن تحمل لك إلا الخير.
ولذلك ربما تكون إحدى أقسى نعم الكراهية أنها تسقط عن أعيننا الوهم. الوهم بأن كل من يضحك في وجهك يحبك، وأن كل من يسأل عنك يتمنى لك الخير، وأن كل من يقترب منك جاء لأنه رأى فيك إنسانًا يستحق القرب. بعض الناس يقتربون لأنهم يحبونك، وبعضهم يقترب لأنهم يريدون شيئًا منك، وبعضهم يقتربون حتى يعرفوا عنك ما يكفي ليستخدموه في الوقت المناسب، وبعضهم لا يعرفون أنفسهم أصلًا، فيكونون اليوم أقرب الناس وغدًا أشدهم قسوة، لا لأنك تغيرت، وإنما لأن مصالحهم أو مشاعرهم تغيرت.
هناك لحظة في حياة الإنسان لا تأتي بصوت عالٍ، ولا يصاحبها حدث كبير، لكنها تأتي فجأة كأن شيئًا انكسر في الداخل، وهي اللحظة التي تتوقف فيها عن محاولة تفسير كل شيء. تتوقف عن سؤال نفسك لماذا تغير فلان، ولماذا لم يعد فلان كما كان، ولماذا اختفى شخص كنت تظنه سيبقى، ولماذا تحول شخص آخر من صديق إلى خصم، ولماذا يضيق بك من لم تؤذه، ولماذا يتحدث عنك من لم تمنحه سببًا للكلام. وفي هذه اللحظة تحديدًا يبدأ الإنسان في التعافي، لأنه يفهم أن بعض الأسئلة لا إجابة لها، وأن محاولة فهم دوافع كل شخص حولك قد تكون طريقة أخرى لإضاعة عمرك.
ربما ليست كل خسارة عقابًا، وربما ليست كل علاقة انتهت دليلًا على أنك فشلت، وربما بعض الأبواب التي أُغلقت في وجهك كانت مغلقة لأن خلفها شيئًا لم يكن يناسب روحك أصلًا. نحن في لحظة الفقد لا نرى إلا الباب وهو يُغلق، ولا نرى الطريق الذي كان يمكن أن يفتح بعده، ولذلك نعتبر الرحيل هزيمة، ونعتبر الاستبعاد إهانة، ونعتبر تغير الناس تجاهنا شهادة بأن فينا عيبًا. لكن السنوات أحيانًا تعيد ترتيب الأحداث بطريقة مختلفة تمامًا، فنكتشف أن الشخص الذي كنا نبكي على غيابه كان سببًا في تأخرنا، وأن المكان الذي شعرنا بالإهانة لأننا خرجنا منه لم يكن المكان الذي كان يليق بنا، وأن الذين ظننا أنهم خسرونا ربما كانوا هم الذين خسروا فرصة وجود إنسان كان مستعدًا لأن يكون صادقًا معهم.
والأغرب أن الإنسان قد يكتشف بعد سنوات أن بعض الأشخاص لم يكونوا يحبونه أصلًا، وإنما كانوا يحبون النسخة التي يستطيعون السيطرة عليها منه. كانوا يحبونك وأنت تقول نعم، وأنت تتنازل، وأنت تسكت، وأنت تبرر، وأنت تخاف من خسارتهم، لكنهم لم يحبوا الإنسان الذي بدأ يضع حدودًا، والذي اكتشف أن كلمة “لا” ليست جريمة، وأن من حقه أن يختار، وأن من حقه أن يرفض، وأن من حقه ألا يشرح كل خطوة في حياته. أحيانًا لا يتغير الناس تجاهك لأنك أصبحت أسوأ، وإنما لأنك لم تعد مفيدًا بالصورة القديمة التي اعتادوا عليها، وحين تنتهي المنفعة تتغير المشاعر التي كنت تظنها حبًا.
وهنا يصبح الحقد مؤلمًا لكنه صادق في شيء واحد: إنه يكشف العلاقات التي كانت قائمة على شروط لم تكن تعرفها. قد لا يقول لك الشخص “أنا أحبك ما دمت تفعل ما أريد”، لكنه قد يختفي عندما تتوقف عن فعل ما يريد، وقد لا يعترف بأنه كان قريبًا منك لأنك تمنحه شيئًا، لكنه يغضب عندما تتوقف عن منحه هذا الشيء، وقد لا يقول لك إنه يريدك تابعًا، لكنه يبدأ في محاربتك عندما يراك مستقلًا. عندها تفهم أن بعض العلاقات لم تكن تحتاج إلى نهاية، لأنها لم تكن علاقة حقيقية من البداية، وإنما كانت اتفاقًا غير مكتوب بين احتياجين.
وفي الجانب الآخر، هناك نوع من الكراهية لا يأتي من المصلحة، وإنما من المقارنة، وهذه أكثر أنواع الكراهية حيرة بالنسبة إلى الإنسان الطيب، لأنه لا يفهم لماذا يمكن أن يضيق أحد بنجاحه وهو لم يأخذ منه شيئًا. لكن البشر ليسوا دائمًا عادلين في مشاعرهم، وقد يرى أحدهم نجاحك كأنه اتهام شخصي له، مع أنك لم تقل له شيئًا. قد تضحك لأنك سعيد، فيراك شخص آخر متكبرًا. قد تحقق شيئًا صغيرًا كنت تحلم به، فيشعر آخر أنك أخذت مكانه. قد تستمر في طريقك رغم فشلك، فيغضب شخص لأنه يرى في إصرارك شيئًا لم يستطع هو أن يحتفظ به في نفسه. وهنا لا تكون أنت المشكلة، لكنك تصبح الشاشة التي تظهر عليها مشكلته.
ومع ذلك، علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا، لأن أسهل شيء على الإنسان أن يريح ضميره بفكرة أن كل من يكرهه حاقد، وأن كل من ينتقده يغار، وأن كل من يختلف معه لا يفهمه. هذه الفكرة خطيرة لأنها تجعل الإنسان يعيش داخل حصن من الوهم، فلا يرى أخطاءه ولا يسمع الحقيقة، وكلما اقترب منه شخص ليقول له شيئًا لا يعجبه، اتهمه بالغيرة أو الكراهية. لا، ليس كل من يعارضك حاقدًا، وليس كل من يختلف معك عدوًا، وليس كل من ابتعد عنك خائنًا، وربما يكون بعض الذين آلموك صادقين في اعتراضهم عليك، وربما تكون أنت قد أخطأت فعلًا ولم ترَ خطأك لأنك كنت مشغولًا بالدفاع عن نفسك.
الإنسان الناضج لا يخاف من أن يراجع نفسه، لأنه يعرف أن الاعتراف بالخطأ لا يقلل من قيمته، بل يزيدها. ولذلك عندما يكرهك شخص، لا تسارع إلى كراهيته، ولا تسارع أيضًا إلى جلد نفسك. انظر إلى الأمر من بعيد، كأنك تشاهد قصة شخص آخر، واسأل بهدوء: هل هناك شيء فعلته يستحق المراجعة؟ هل ظلمت أحدًا دون أن أقصد؟ هل تغيرت فعلًا أم أن هذا الشخص لم يعد يحتمل أنني تغيرت؟ هل المشكلة في طريقتي أم في اختياراتي؟ هل هناك اعتذار يجب أن أقدمه؟ أم أنني أحاول الاعتذار فقط لأنني أخاف أن يتركني الآخر؟ هذه الأسئلة أكثر فائدة من سؤال واحد يتكرر بلا نهاية: “لماذا يكرهني؟”
لأن الحقيقة أن بعض الناس سيكرهونك مهما فعلت، وهذه من الحقائق التي لا نتعلمها بسهولة. قد تكون محترمًا ويكرهك أحدهم، وقد تكون طيبًا ويكرهك أحدهم، وقد تساعده ويكرهك، وقد تبتعد عنه باحترام ويكرهك، وقد لا تفعل شيئًا له على الإطلاق ويكرهك. لا يوجد سلوك سحري يجعل الإنسان محبوبًا من الجميع، ومن يحاول الوصول إلى هذه المرحلة سيقضي حياته ممزقًا بين رغبات الآخرين، وفي النهاية لن يعرف هو نفسه ماذا يريد.
ربما لهذا السبب يأتي النضج متأخرًا. يأتي بعد أن تتعب من شرح نفسك، وبعد أن تكتشف أن بعض الناس لا يريدون تفسيرًا وإنما يريدون رواية تناسبهم، وبعد أن تعرف أن هناك من سيحكم عليك من موقف واحد، ومن سيحكم عليك من كلام سمعه، ومن سيحكم عليك لأنه لا يريد أن يرى فيك خيرًا، ومن سيحكم عليك لأنه يحتاج إلى أن تكون سيئًا حتى يشعر هو بأنه أفضل. وحين تفهم ذلك، لا تصبح قاسيًا، وإنما تصبح أقل قابلية للكسر.
والأهم أنك تتعلم ألا تطارد من أساء فهمك. ليست مهمتك أن تقف أمام كل إنسان وتشرح له قلبك، لأن قلبك ليس محكمة مفتوحة للجمهور. هناك أشياء في حياتك لا تحتاج إلى دفاع، وهناك مواقف سيأتي وقتها ويظهر فيها الحق من تلقاء نفسه. كم من إنسان قضى سنوات يشرح أنه لم يفعل شيئًا، ثم اكتشف أن الذين أحبوه لم يحتاجوا إلى الشرح أصلًا، وأن الذين قرروا إدانته لم يكن ينقصهم دليل وإنما كانت تنقصهم الرغبة في تصديقه.
وقد تكون هذه واحدة من أقسى الحقائق: أنك أحيانًا لن تحصل على العدالة التي تريدها من البشر. لن يأتي كل من ظلمك ليعتذر، ولن يعترف كل من أساء إليك بأنه أخطأ، ولن يكتشف كل شخص شوه صورتك الحقيقة في الوقت الذي تتمنى فيه ذلك. بعض الناس يموتون وهم مقتنعون بروايات صنعوها عن الآخرين، وبعضهم يفضلون الكذب على مواجهة أنفسهم، وبعضهم يعرف الحقيقة لكنه لا يملك شجاعة الاعتراف بها. ولذلك إذا جعلت سلامك النفسي معلقًا على اعتذار لن يأتي، فقد سلمت مفتاح راحتك إلى شخص ربما لا يفكر فيك أصلًا.
وهنا تتحول الكراهية إلى اختبار حقيقي للنفس. هل تستطيع أن تكمل دون أن تنتقم؟ هل تستطيع أن تنجح دون أن تلتفت كل لحظة إلى من حاول أن يسقطك؟ هل تستطيع أن تضحك من قلبك دون أن تتمنى أن يرى ضحكتك شخص بعينه؟ هل تستطيع أن تحقق شيئًا جميلًا دون أن يكون أول ما تفكر فيه هو أن تقول لمن شكك فيك: “انظر ماذا فعلت”؟ لأن هناك فرقًا هائلًا بين أن تنجح، وبين أن تجعل نجاحك رسالة انتقام.
الانتقام يربطك بالشخص الذي تريد نسيانه.
أما النجاح الحقيقي فيحررك منه.
وعندما يصل الإنسان إلى مرحلة لا يعود فيها محتاجًا إلى أن يرى الحاقد نادمًا، ولا يحتاج إلى أن يسمع من أساء إليه يقول “كنت مخطئًا”، ولا ينتظر لحظة انهيار من حاول كسره، يكون قد انتقل إلى مستوى آخر تمامًا. يصبح قادرًا على النظر إلى الماضي دون أن يرتجف قلبه، لا لأنه نسي ما حدث، وإنما لأنه لم يعد يعيش داخله.
قد تظل بعض الجروح موجودة، وهذا طبيعي، فالإنسان ليس آلة تمسح الذاكرة بضغطة زر. لكن هناك فرقًا بين أن تتذكر الوجع وبين أن تعيش فيه. قد تتذكر من خانك دون أن تكره كل الناس، وقد تتذكر من ظلمك دون أن تتحول إلى ظالم، وقد تتذكر من حقد عليك دون أن يصبح قلبك مليئًا بالحقد. وهذه ربما تكون أعظم صورة للانتصار: أن يمر الشر من حياتك دون أن يترك شره فيك.
لأن أسوأ ما يمكن أن يفعله الحقد فينا ليس أن يؤذينا من الخارج، وإنما أن يجعلنا نشبه الذين آذونا. يجعلنا نشك في الجميع، ونغلق أبوابنا أمام من لا ذنب لهم، ونصبح قساة مع أناس جاؤوا إلينا بنية صافية، فقط لأن شخصًا آخر خاننا ذات يوم. يجعلنا نرفض الحب لأننا خُذلنا، ونرفض الثقة لأن أحدهم استغلها، ونرفض القرب لأن أحدهم استخدم قربنا كسلاح ضدنا. وهنا لا يكون الحاقد قد خسر معركة معنا، بل يكون قد نجح في إعادة تشكيلنا على صورته.
ولهذا، ربما لا تكون النعمة في أن يكرهك البشر، وإنما في أن تتعلم من كراهيتهم دون أن تحملها معك إلى الأشخاص الذين لم يفعلوا شيئًا. أن تعرف أن قلبك ليس صندوقًا لتخزين أسماء الذين آذوك. أن تترك لكل شخص مسؤوليته عن أفعاله، وألا تجعل أخطاء الآخرين تتحول إلى عقوبة على نفسك وعلى من سيأتي بعدهم.
وأحيانًا، أجمل ما يحدث للإنسان أن يتوقف عن البحث عن تفسير لسبب عدم محبة البعض له. ليس لأنه لم يعد يهتم، وإنما لأنه فهم أن بعض المشاعر ليست مسؤوليته. أنت مسؤول عن نيتك، عن أخلاقك، عن أفعالك، عن الطريقة التي تعامل بها الناس، لكنك لست مسؤولًا عن الصورة التي اختار شخص آخر أن يرسمها عنك داخل رأسه. لا تستطيع أن تدخل عقل إنسان وتغير ما قرر أن يعتقده، ولا تستطيع أن تجعل شخصًا يرى النور إذا كان مصرًا على النظر من نافذة مغلقة.
ومن هنا تأتي راحة غريبة، راحة لا تأتي من انتصار، وإنما من التسليم. أن تقول لنفسك: فعلت ما أستطيع، واعتذرت حين أخطأت، وراجعت نفسي حين وجب، وحافظت على كرامتي حين لزم، والباقي ليس ملكي.
ربما كانت الكراهية في بعض مراحل حياتنا أشبه بيد قاسية تدفعنا بعيدًا عن أماكن لم يكن ينبغي لنا أن نبقى فيها. ربما كان الحقد الذي جعلنا نشعر أننا غير مرغوب فينا هو نفسه الذي علمنا أن نصنع مكانًا لأنفسنا دون انتظار دعوة. وربما كان رفض بعض الناس لنا هو أول مرة نفهم فيها أن الإنسان يستطيع أن يعيش دون أن يطرق أبوابًا أُغلقت في وجهه كل يوم.
هناك أبواب لا ينبغي أن نحاول فتحها مرة أخرى.
ليس لأننا ضعفاء.
ولكن لأن كرامتنا أحيانًا تكون في أن نفهم الرسالة من أول مرة.
ولعل أكثر ما يوجع في النهاية أننا نكتشف متأخرين أن بعض الناس لم يكونوا جزءًا من مستقبلنا أصلًا، وإنما كانوا جزءًا من درسنا. جاءوا ليعلمونا شيئًا عن أنفسنا، عن حدودنا، عن احتياجاتنا، عن خوفنا من الفقد، عن تعلقنا برضا الآخرين، وعن استعدادنا للتنازل حتى لا نخسر أحدًا. ثم رحلوا، وبقي الدرس.
وهنا يمكن أن نفهم السؤال من زاوية مختلفة: هل كره البشر لك نعمة؟
ربما نعم، إذا كان هذا الكره قد جعلك تعرف نفسك أكثر.
نعم، إذا جعلك تتوقف عن التسول العاطفي.
نعم، إذا علمك أن ليس كل ابتسامة محبة، وليس كل قرب أمانًا، وليس كل رحيل هزيمة.
نعم، إذا جعلك تفهم أن قلبك يحتاج إلى أبواب، وليس إلى جدران؛ أبواب تفتحها لمن يستحق، وتغلقها حين يصبح وجود الآخر مؤذيًا، دون أن تتحول أنت إلى سجن مغلق أمام العالم كله.
لكنها ليست نعمة إذا جعلتك تكره الحياة، أو تشك في كل إنسان، أو تنتظر سقوط الآخرين، أو تفرح بألم من آلمك، لأنك في هذه اللحظة لم تتعلم شيئًا، وإنما انتقلت العدوى إليك.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: “لماذا يكرهني الناس؟”، وإنما: “ماذا فعلت هذه الكراهية بي؟”
هل جعلتك أكثر قسوة؟
أم أكثر وعيًا؟
هل جعلتك تنتقم؟
أم جعلتك تعرف متى تبتعد؟
هل جعلتك تشك في الجميع؟
أم جعلتك تختار من تثق بهم بعناية؟
هل جعلتك تكره نفسك؟
أم جعلتك تكتشف أنك كنت تمنح آراء الآخرين سلطة أكبر من اللازم؟
لأن البشر يستطيعون أن يكرهوا الإنسان، لكنهم لا يستطيعون أن يقرروا من يكون إلا إذا سمح لهم هو بذلك.
وقد يؤلمك أن تعرف أن هناك من لا يتمنى لك الخير، لكن الأكثر إيلامًا أن تقضي عمرك كله تحاول أن تجعل هؤلاء الأشخاص يتمنون لك الخير. لا تفعل. هناك معارك لا تُربح بإقناع الخصم، وإنما بالانسحاب من حاجتك إلى إقناعه.
دع بعضهم يظن ما يشاء.
دع بعضهم يروي القصة من وجهة نظره.
دع بعضهم يصدق أنك المخطئ.
دع بعضهم يكرهك دون أن تفهم السبب.
ليس لأن الحقيقة لا تهم، وإنما لأن حياتك أكبر من أن تتحول إلى جلسة دفاع لا تنتهي.
فربما يأتي يوم تنظر فيه إلى كل هذا الألم وتكتشف شيئًا لم تكن قادرًا على رؤيته وأنت في منتصف المعركة: أن بعض الذين أوجعوك لم يكونوا نهاية الطريق، بل كانوا العلامة التي أخبرتك أن الطريق الذي كنت تسير فيه لم يعد لك.
وعندها ستفهم أن النعمة لم تكن في كراهيتهم.
النعمة كانت في أنك خرجت منها وما زال قلبك قادرًا على الحياة
زر الذهاب إلى الأعلى