منوعات

ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك

نيفين صلاح محمد جاد

حجم الخط:

 

حين نتأمل قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ندرك أننا أمام دعاء عظيم يجمع بين الإيمان والرجاء واليقين بوعد الله، فالمؤمن يدعو ربه وهو يعلم أن الله لا يخلف وعده وأن رحمته أوسع من الخوف والضعف والابتلاء.

 

وتأتي الآية في سياق حديث سورة آل عمران عن أولي الألباب الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض، فيزدادون إيمانًا ويدعون الله بالمغفرة والرحمة والنجاة، ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾، طالبين الوفاء بوعد الله والنجاة يوم القيامة.

 

وقد قصّ الله علينا أخبار الأنبياء والرسل، وفي حياة كل واحد منهم صورة من صور العطاء الإلهي؛ فكان عطاء الله لآدم علمًا واصطفاء، ولإدريس رفعة في المكانة، ولنوح نجاة بعد الصبر، ولإبراهيم نبوة وكتابًا وخُلّة وبركة في الذرية.

 

وكان في قصة لوط عليه السلام حكم وعلم ونجاة، وكان إسماعيل نموذجًا في صدق الوعد، وجعل الله في ذرية إسحاق ويعقوب النبوة والكتاب.

 

أما يوسف عليه السلام، فقد بدأت حياته برؤيا ثم مرّ بالجب والرق والسجن، حتى جاء التمكين. وفي قصته نتعلم أن ما يبدو للإنسان خسارة قد يكون في علم الله طريقًا إلى الخير، وأن المحنة ليست بالضرورة نهاية الطريق.

 

وفي قصة أيوب عليه السلام يظهر معنى الصبر، فقد مسه الضر فنادى ربه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فكشف الله عنه الضر وآتاه رحمته.

 

أما يونس عليه السلام، فتعلّمنا قصته أن رحمة الله تصل إلى العبد مهما أحاطت به الظلمات، وقد قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، لتصبح قصته رسالة أمل لكل من أثقلته الهموم.

 

وواجه موسى عليه السلام فرعون، ومع عظم الطغيان أيده الله بالآيات، وأعطاه أخاه هارون سندًا ومعينًا، لنتعلم أن اليقين بالله أقوى من قوة الخصم، وأن الفرج قد يأتي حين يظن الإنسان أن الطريق قد انتهى.

 

أما داود عليه السلام، فقد جمع الله له بين الملك والحكمة، وكان في قصته درس في أن القوة مسؤولية، وأن السلطان لا يكتمل إلا بالحكمة والعدل والخوف من الله.

 

وأعطى الله سليمان عليه السلام ملكًا عظيمًا وسخر له الريح والجن وعلمه منطق الطير، ومع ذلك قال: ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾، فكانت النعمة عنده اختبارًا للشكر لا سببًا للغرور.

 

ويعلّمنا زكريا عليه السلام أن الدعاء لا تحده حسابات الأسباب، فقد دعا ربه رغم كبر سنه وعقم امرأته، فوهبه الله يحيى. وكان يحيى مثالًا للتقوى والحكمة منذ صغره.

 

أما عيسى عليه السلام، فقد آتاه الله الكتاب والحكمة وأيده بروح القدس، وجعل على يديه آيات بإذن الله، وكانت رسالته دعوة إلى عبادة الله والتمسك بالحق والرحمة.

 

ثم جاء خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام، وأنزل الله عليه القرآن، وجعل رسالته رحمة للعالمين، وأكرمه ورفع ذكره.

 

ومن مجموع هذه القصص ندرك أن عطاء الله لأنبيائه لم يكن واحدًا؛ فمنهم من أعطي العلم، ومنهم الصبر، ومنهم النجاة، ومنهم الملك، ومنهم التمكين والرحمة. ولذلك يقول تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾.

 

وهذا المعنى لا يخص الأنبياء وحدهم، بل يعلّمنا ألا نقارن عطايا الله في حياتنا بعطايا الآخرين؛ فقد يكون المنع عطاءً، والتأخير رحمة، والابتلاء طريقًا إلى قرب الله.

 

ومن هنا نفهم عظمة الدعاء: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾، فهو يجمع الرجاء والخوف، وطلب المغفرة والرحمة والنجاة، مع اليقين بأن الله لا يخلف الميعاد.

 

وقصص الأنبياء ليست أحداثًا من الماضي، بل مرآة لحياتنا؛ فنحن نشبه يونس حين تضيق بنا الدنيا، ويوسف حين نظلم، وأيوب حين يطول البلاء، وزكريا حين ننتظر الاستجابة. وفي كل هذه المواقف نحتاج إلى اليقين بالله والصبر وحسن الظن به.

 

والإيمان بوعد الله لا يعني أن الإنسان لن يحزن أو يتعب، وإنما يعني أنه يعرف إلى من يعود حين يضعف، وبمن يستعين حين يخاف، ولا يفقد ثقته بالله حين تتأخر الإجابة.

 

ولهذا يبقى قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ مصدرًا عظيمًا لطمأنينة القلب؛ فالوعد الإلهي حق لا يتغير، وعلى المؤمن أن يحسن الظن بربه، ويعمل لما وعد الله به، ويترك له ما لا يستطيع حمله.

 

ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.

زر الذهاب إلى الأعلى