تقارير وتحقيقات
من قلب المحنة إلى قمة التحدي.. “أم يحيى” أول امرأة تقتحم عالم المقاولات وتكتسح “حدائق أكتوبر” بروح الصعيد

حجم الخط:
في قطاع يوصف دائماً بأنه “شغل خرسانات” لا يتحمله إلا الرجال، استطاعت مهندسة مصرية أصيلة، تنبض عروقها بجينات الصعيد، أن تكسر القاعدة وتصنع اسماً يهز مواقع العمل. هي ليست مجرد مديرة لشركة، بل هي قصة كفاح ملهمة بدأت من خطوط الصدمة لتتحول إلى لقب “المرأة الحديدية”. إنها الباشمهندسة دعاء أحمد الدمرداش، الشهيرة بالاسم الأحب لقلبها: “أم يحيى”.
نقطة التحول: مواجهة الصدمة في مواقع العمل
بدأت الرحلة في عام 2020، وهو العام الذي شهد تحولاً جذرياً في حياة “أم يحيى” بعد وفاة زوجها (الحاج طارق – رحمه الله). تركت الوفاة خلفها أعمالاً مفتوحة في قطاع المقاولات، وعدة، وأموالاً متناثرة في السوق. كان القرار الأولي مؤقتاً: النزول لتصفية هذه الأعمال وإغلاق الملفات.
لكن النزول للموقع فتح فصلاً جديداً؛ واجهت المهندسة خريجة هندسة القاهرة (قسم عمارة لعام 2006) صعوبات بالغة؛ من مواصلات تمتد لأربع ساعات يومياً، إلى التعامل المعقد مع “الصنايعية” وفئات السوق، بالإضافة إلى مسؤولية طفلها “يحيى” (3 سنوات) الذي كان يرافقها في أوقات كثيرة للمواقع.
“نزلت بكل ما أملك من قوة وأموال، وتحديت نفسي وكل من نصحني بالابتعاد والمراهنة على نهايتي مبكراً.. فكانت تلك المخاطرة هي حجر الأساس لكل شيء.”
سور “هرم سيتي”.. التحدي الذي صنع الاسم
جاء المحك الحقيقي عندما عُرض عليها مشروع جديد بالكامل في حدائق أكتوبر (مول 10 ومول 11)، ليكون الاختبار الأول بعيداً عن تركة زوجها الراحل. التحدي تمثل في تسليم 7 كيلومترات من الأسوار والبوابات لمدينة هرم سيتي في مدة زمنية حرجة لا تتجاوز 3 أشهر و10 أيام، وبسعر قليل جداً لا يضمن الربح المادي بل يضمن “بناء الاسم”.
بمؤازرة من رجال مخلصين رافقوها في المشوار، مثل الباشمهندس أحمد لطفي والباشمهندس أحمد عزوز، قبلت التحدي. وبفضل الله، سُلِّم المشروع قبل الموعد بأسبوع كامل (في 3 أشهر وأسبوع)، لتخرج من التجربة بـ “عدّة خشبية كبيرة” واسم يتردد بقوة في السوق، وولادة مكتب “اليحيى للمقاولات العريقة”.
التوسع والنجاح: من الخرسانات إلى التطوير العقاري واختراق “الجهاز”
لم تتوقف طموحات أم يحيى عند حد الخرسانات، بل شهدت مسيرتها محطات نجاح متتالية:
بناء المشاريع الكبرى: تشييد أكثر من 20 عمارة، و4 فيلات في أرقى مناطق أكتوبر (الشماليات، السياحية، وبيت الوطن).
اختراق أروقة جهاز المدينة: بعد حل مشكلة قانونية معقدة في إحدى العمارات، انفتح أمام المكتب طريق إنهاء وتخليص جميع ملفات الجهاز وأوراق التصالح والشقوق القانونية بكل سهولة وثقة.
التسويق والتطوير العقاري: تقديم طلبات الأراضي والدخول في شراكات ذكية بنسب وأسهم في البناء، ليتحول المكتب إلى مطور عقاري واعد.
منظومة الاستثمار الآمن: ابتكار فكرة تتيح للمستثمر الصغير إدارة أمواله بنفسه وبدون وسيط، مع تقديم الخريطة والإشراف الكامل للمكتب مقابل نسبة إشراف بسيطة، مما رسخ المصداقية.
سر القوة وجذور الصعيد
حين يتساءل الجميع في السوق عن سر هذه القوة، تأتي الإجابة من الجذور العريقة لـ “أم يحيى”؛ فهي ابنة مركز
” طهطا “بمحافظة سوهاج.
وعن فلسفتها في العمل تقول: “كان شعاري دائماً: السرعة في الوقت، المصداقية في كل شيء، وأقل سعر في السوق. لم يكن همي الربح المادي بقدر ما كان كسب الاسم والثقة.. طالما أنك لا تخسر فأنت ناجح، والماديات تأتي لاحقاً.”
ورغم الشائعات والحروب النفسية التي واجهتها، إلا أنها استمرت في طريقها مستمدة قوتها من الله، ثم من دعوات والدتها (الدعم الأكبر لها عند الانهيار)، وعينها على مستقبل ابنها الوحيد “يحيى” الذي حلمت يوماً بيافطة صغيرة تحمل اسمه، لتصبح اليوم صرحاً عقارياً.
رؤية الغد
تؤكد الباشمهندسة دعاء أحمد أنها بالرغم من كل هذه النجاحات، تشعر بأنها ما زالت في أول الطريق. وبعد أن نجحت في اكتساح حدائق أكتوبر كأول امرأة تعمل كمقاول بالمنطقة، تتأهب “المرأة الحديدية” قريباً جداً لنقل نجاحات مكتب “اليحيى” إلى أكتوبر الجديدة








