محمد غزال: إنقاذ لبنان يبدأ بالإصلاح الدستوري والاقتصادي.. والسيادة لا تُحمى إلا بدولة قوية ومؤسسات فاعلة|حوار

يقف لبنان أمام مرحلة مفصلية تتشابك فيها الأزمات السياسية والدستورية والاقتصادية والأمنية، في ظل تحولات إقليمية متسارعة تفرض على الدولة اللبنانية مراجعة شاملة لأولوياتها، وإعادة النظر في أدوات إدارة أزماتها المتراكمة. فلم تعد الأزمة اللبنانية مجرد تعثر مالي أو اضطراب في النظام المصرفي، بل أصبحت تعبيرًا عن اختلالات بنيوية تمس قدرة المؤسسات على أداء وظائفها، وثقة المواطنين بالدولة، وإمكانات الاقتصاد على استعادة عافيته، فضلًا عن التحديات التي تواجه السيادة الوطنية ووحدة القرار السياسي.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل الدولة اللبنانية، ومدى قدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء مشروع وطني متكامل، يقوم على الإصلاح الدستوري، وتطوير المؤسسات، واستعادة الثقة المالية، وتحويل الاقتصاد من الاعتماد على الريع والديون إلى الإنتاج والاستثمار، بالتوازي مع تحصين الجبهة الداخلية وتعزيز قدرة الدولة على حماية حدودها ومواردها ومصالح مواطنيها.
ولا تنفصل هذه التحديات عن طبيعة النظام السياسي اللبناني، الذي يواجه اختبارًا حقيقيًا في قدرته على إدارة التعددية بعيدًا عن تعطيل المؤسسات، وتحويل التوافق الوطني من تسويات مؤقتة بين القوى السياسية إلى قاعدة مستدامة لإدارة الدولة. كما تتزايد أهمية البعد الإقليمي، في ظل المخاوف المرتبطة بالتطورات الميدانية على الحدود اللبنانية، وما تثيره من تساؤلات حول مستقبل السيادة، وأمن السكان، والموارد الطبيعية، وإمكانات إعادة الإعمار.
لمناقشة هذه الملفات، وقراءة مستقبل لبنان في ضوء التحديات الراهنة، كان لنا هذا الحوار مع المفكر السياسي محمد غزال، الذي يطرح رؤية تربط بين الإصلاح الدستوري والإنقاذ الاقتصادي وتعزيز مؤسسات الدولة، باعتبارها مسارات متكاملة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر، مؤكدًا أن استعادة السيادة لا تتحقق بالشعارات أو المعالجات المؤقتة، وإنما ببناء دولة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه، وحماية مصالح مواطنيها، وإدارة علاقاتها الإقليمية والدولية من موقع الاستقلال الوطني.
الحوار
س: كيف تقرأ المشهد اللبناني في عام 2026؟ وهل ما يواجهه لبنان أزمة اقتصادية بالأساس أم أزمة دولة ومؤسسات؟
محمد غزال: أعتقد أن فهم الأزمة اللبنانية يتطلب تجاوز التفسير المالي الضيق، والنظر إلى الصورة الكاملة التي تتداخل فيها الاختلالات السياسية والدستورية والاقتصادية والاجتماعية. فالأزمة لم تعد مرتبطة فقط بتراجع المؤشرات المالية أو اضطراب النظام المصرفي، وإنما أصبحت تمس قدرة الدولة على اتخاذ القرارات الحاسمة، وتنفيذ السياسات العامة، والحفاظ على ثقة المواطنين بمؤسساتهم.
عندما تتراجع الثقة بين المواطن والدولة، وتتراكم الأزمات الاقتصادية، وتتعطل آليات اتخاذ القرار، وتتسع الفجوة بين المؤسسات واحتياجات المجتمع، فإننا نكون أمام أزمة بنيوية تتجاوز حدود الاقتصاد إلى طبيعة النظام السياسي وقدرته على الاستمرار.
وتكمن الخطورة في تزامن هذه الأزمات مع ضغوط إقليمية وأمنية متزايدة، وهو ما يفرض على لبنان تبني رؤية شاملة للإنقاذ، بدلًا من الاكتفاء بإجراءات جزئية تعالج الأعراض وتترك الأسباب الأساسية قائمة.
إن استمرار الاعتماد على الحلول المؤقتة، من دون إصلاح مؤسسي حقيقي، يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، ويضاعف تكلفتها الاجتماعية والاقتصادية، ويضعف قدرة الدولة على حماية مصالحها. ولذلك، فإن نقطة البداية يجب أن تكون الاعتراف بأن الإنقاذ الحقيقي مشروع لإعادة بناء الدولة، وليس مجرد برنامج مالي لتجاوز مرحلة صعبة.
س: تتحدث عن إصلاح دستوري عاجل. ما المقصود بهذه الجراحة الدستورية، وما الأولويات التي ينبغي أن تتصدرها؟
محمد غزال: المقصود هو مراجعة آليات عمل المؤسسات الدستورية، وتحديد المسؤوليات والصلاحيات بصورة أكثر وضوحًا، ومعالجة الثغرات التي تسمح بتحويل الخلافات السياسية إلى حالة مستمرة من الشلل المؤسسي.
فالمشكلة ليست بالضرورة في النصوص الدستورية وحدها، وإنما أيضًا في كيفية تطبيقها، وفي قدرة النظام السياسي على إنتاج التوافقات اللازمة لإدارة الدولة. ولذلك، ينبغي أن يتناول الإصلاح قواعد اتخاذ القرار، وآليات الرقابة والمساءلة، وضمان استمرارية المؤسسات والمرافق العامة، ومنع تعطيل مصالح المواطنين نتيجة التجاذبات السياسية.
لكنني أؤكد أن الإصلاح الدستوري لا يمكن أن ينجح من خلال قرارات منفردة أو إجراءات تفرضها جهة على أخرى، بل يحتاج إلى توافق وطني واسع يحترم الخصوصية اللبنانية، ويحافظ على السلم الأهلي، ويؤسس لعلاقة أكثر توازنًا بين مكونات المجتمع ومؤسسات الدولة.
المطلوب ليس تغييرًا شكليًا في توزيع الصلاحيات، وإنما بناء قواعد أكثر فاعلية لإدارة الاختلاف، بحيث يصبح التعدد السياسي مصدرًا للثراء والتوازن، لا سببًا دائمًا لتعطيل المؤسسات.
س: هل يعني ذلك أن لبنان بحاجة إلى الانتقال من نظام المحاصصة الطائفية إلى الدولة المدنية القائمة على المواطنة؟
محمد غزال: الانتقال إلى دولة تقوم على المواطنة المتساوية يمثل أحد المحاور المهمة لأي مشروع إصلاحي مستدام، لكنه يحتاج إلى مسار تدريجي ومدروس يراعي طبيعة المجتمع اللبناني وتنوعه التاريخي والاجتماعي.
الدولة المدنية لا تعني إلغاء التنوع أو تجاهل المخاوف المتبادلة بين مكونات المجتمع، بل تعني إدارة هذا التنوع داخل إطار دستوري جامع، تكون فيه الحقوق والواجبات مرتبطة بالمواطنة، وتخضع المؤسسات العامة للقانون ومعايير الكفاءة والنزاهة، بعيدًا عن هيمنة المصالح الفئوية.
ولا يمكن تحقيق هذا التحول بالشعارات وحدها؛ إذ يتطلب إصلاح الإدارة العامة، وتعزيز استقلال القضاء، وتطوير نظم التوظيف والرقابة، ومكافحة الفساد، وضمان تكافؤ الفرص في الوصول إلى الخدمات والوظائف والموارد العامة.
كما أن بناء الثقة بين المواطن والدولة يتطلب نتائج ملموسة في الحياة اليومية، من خلال تحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، وحماية الحقوق، وتطبيق القانون على الجميع من دون تمييز.
المعيار الحقيقي لنجاح الإصلاح هو أن يشعر المواطن بأن الدولة تمثله وتحمي حقوقه، وأن المؤسسات تعمل لخدمة المجتمع بأكمله، وليس لمصلحة قوى أو فئات بعينها.
س: ننتقل إلى الملف الاقتصادي. ما الطريق الذي يمكن أن يسلكه لبنان للخروج من أزمته المالية واستعادة قدرته على النمو؟
محمد غزال: لا يمكن للاقتصاد اللبناني أن يستعيد عافيته بصورة مستدامة من خلال إعادة تدوير الديون أو الاعتماد على تدفقات مالية مؤقتة، بل يحتاج إلى التحول من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الريع والأنشطة المالية إلى اقتصاد أكثر إنتاجًا وتنوعًا.
ويمتلك لبنان مقومات يمكن توظيفها في هذا الاتجاه، وفي مقدمتها الموارد البشرية، والقدرات العلمية والمهنية، والموقع الجغرافي، والإمكانات السياحية والثقافية، فضلًا عن الفرص المتاحة في الزراعة والصناعة والخدمات الرقمية.
لكن تحويل هذه المقومات إلى نمو حقيقي يتطلب استراتيجية اقتصادية متكاملة، تبدأ بإصلاح المؤسسات المالية والإدارية، وتوفير بيئة مستقرة للاستثمار، وتحسين البنية التحتية، ومعالجة مشكلات الطاقة والتمويل، وتطوير القدرة التنافسية للمنتجات والخدمات اللبنانية.
السياحة يمكن أن تسهم في توفير فرص العمل وجذب النقد الأجنبي، لكنها تحتاج إلى استقرار أمني وخدمات مناسبة وبنية تحتية فعالة. والصناعة تستطيع توسيع قاعدة الإنتاج والصادرات، إذا توافرت لها الطاقة والتمويل والقدرة على الوصول إلى الأسواق. أما الزراعة، فتحتاج إلى تحديث أساليب الإنتاج، وتحسين إدارة المياه، وتطوير التخزين والتصنيع والتسويق.
وفي الوقت نفسه، يمثل الاقتصاد الرقمي فرصة مهمة للاستفادة من الكفاءات اللبنانية في البرمجيات والاتصالات والخدمات التكنولوجية، وفتح أسواق جديدة أمام الشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة.
إن المطلوب هو بناء اقتصاد يخلق القيمة وفرص العمل، ويقلل الاعتماد على الاقتراض، ويمنح الدولة قدرة أكبر على تمويل خدماتها والتزاماتها، بدلًا من استمرار استنزاف الموارد من دون توسيع القاعدة الإنتاجية.
س: تحدثت عن هجرة الشباب والكفاءات. كيف يمكن أن يتحول رأس المال البشري اللبناني إلى محرك للإنقاذ بدلًا من أن يكون ضحية للأزمة؟
محمد غزال: رأس المال البشري هو أحد أهم الأصول التي يمتلكها لبنان، وخسارته المستمرة تمثل تحديًا اقتصاديًا واجتماعيًا واستراتيجيًا في الوقت نفسه.
فعندما يضطر الشباب وأصحاب الكفاءات إلى مغادرة وطنهم بحثًا عن فرص العمل والاستقرار، يخسر الاقتصاد جزءًا من قدرته على الابتكار والإنتاج، وتتراجع فرص تأسيس المشروعات الجديدة، وتزداد صعوبة إعادة بناء القطاعات التي تحتاج إلى خبرات متخصصة.
ولذلك، يجب أن تحتل سياسات تمكين الشباب موقعًا أساسيًا في مشروع الإنقاذ، من خلال تطوير التعليم والتدريب المهني، وربط مخرجات المؤسسات التعليمية باحتياجات سوق العمل، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال، وتسهيل تأسيس المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
كما ينبغي توفير بيئة تسمح للكفاءات اللبنانية بالعمل والإنتاج داخل البلاد، مع الاستفادة من الخبرات اللبنانية في الخارج عبر شراكات مهنية واستثمارية ونقل المعرفة والتكنولوجيا.
ولا يكفي أن نطالب الشباب بالبقاء في وطنهم من دون توفير أسباب واقعية لذلك. فالبقاء يحتاج إلى فرص عمل، وأجور مناسبة، وخدمات أساسية، وعدالة في الفرص، وثقة بأن الجهد والكفاءة يمكن أن يصنعا مستقبلًا أفضل.
إن حماية الإنسان ليست نتيجة ثانوية للتعافي الاقتصادي، بل شرط أساسي لحدوثه.
س: وماذا عن الأزمة المصرفية؟ كيف يمكن استعادة الثقة في القطاع المالي وحماية حقوق المودعين؟
محمد غزال: استعادة الثقة المالية والمصرفية تمثل شرطًا مهمًا لإعادة تحريك الاقتصاد وجذب الاستثمارات وتوفير التمويل للقطاعات الإنتاجية. لكن هذه الثقة لا يمكن استعادتها بالوعود وحدها، وإنما من خلال معالجة شفافة للخسائر، وتحديد المسؤوليات، ووضع قواعد قانونية واضحة تضمن التعامل مع حقوق المودعين بصورة عادلة.
ويحتاج لبنان إلى خطة مالية متكاملة تحدد حجم الخسائر، وآليات توزيع الأعباء، ومسؤوليات الأطراف المعنية، والإطار الزمني للمعالجة، مع إخضاع التنفيذ للرقابة والمساءلة.
ومن الضروري ألا تُحمّل الفئات الأكثر هشاشة التكلفة الأكبر للأزمة، أو أن يتحول الإصلاح إلى وسيلة لإعادة توزيع الخسائر على نحو يفتقر إلى العدالة والشفافية.
كما يجب إصلاح الإدارة المالية العامة، ومراجعة أوجه الإنفاق، وتحسين كفاءة التحصيل الضريبي، ومكافحة التهرب، وتوسيع قاعدة الإيرادات بصورة لا تخنق المشروعات الصغيرة والمتوسطة أو تعرقل النشاط الإنتاجي.
والأهم أن يرتبط إصلاح القطاع المصرفي بإعادة توجيه التمويل نحو الاقتصاد الحقيقي، بحيث تصبح المؤسسات المالية جزءًا من عملية التعافي، لا مجرد قناة لإدارة الاختلالات القائمة.
س: ما الدور الذي يمكن أن تؤديه مصر في دعم استقرار لبنان ومساندة مؤسساته الشرعية؟
محمد غزال: يمكن لمصر أن تؤدي دورًا مهمًا في دعم استقرار لبنان من خلال التعاون السياسي والدبلوماسي والاقتصادي، وتعزيز فرص التنسيق العربي، والمساهمة في توفير بيئة إقليمية تساعد المؤسسات اللبنانية على أداء مسؤولياتها.
وأرى أن المقاربة التي تربط الأمن بالتنمية تمثل مدخلًا مهمًا للتعامل مع الأزمات المركبة، لأن دعم الاستقرار لا يقتصر على معالجة التوترات الأمنية، وإنما يشمل أيضًا مساندة المؤسسات الشرعية، وفتح مسارات للتعاون الاقتصادي، وتوفير الظروف اللازمة للتعافي وإعادة الإعمار.
وفي هذا السياق، يكتسب دعم الجيش اللبناني أهمية خاصة باعتباره إحدى المؤسسات الأساسية للدولة، نظرًا إلى دوره في حماية الأمن ووحدة البلاد والمساهمة في صون السيادة، وفق الدستور والقانون.
لكن فاعلية أي دعم خارجي تظل مرتبطة بقدرة الدولة اللبنانية على توحيد أولوياتها، وتوفير الغطاء السياسي والقانوني اللازم لعمل مؤسساتها، وتحديد المسؤوليات بوضوح.
كما يمكن للتعاون العربي أن يسهم في دعم البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية وتوفير فرص العمل، بشرط أن تقترن المساعدات بإصلاحات قابلة للقياس، وآليات شفافة للرقابة، وضمانات تحول دون هدر الموارد.
المطلوب هو مساندة لبنان في بناء قدرته على الاعتماد على مؤسساته، لا استبدال قراره الوطني بإرادة خارجية.
س: في ظل التطورات الإقليمية والعمليات العسكرية الإسرائيلية، كيف تنظر إلى المخاطر التي تهدد السيادة اللبنانية؟
محمد غزال: التطورات الميدانية تفرض تحديات حقيقية على لبنان، خصوصًا عندما تتصل بالحدود، وأمن السكان، ومستقبل المناطق المتضررة، وإمكانات العودة وإعادة الإعمار، فضلًا عن المخاوف المتعلقة بفرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد قد تؤثر في ممارسة الدولة لسيادتها.
كما أن الحديث عن الأحزمة الأمنية أو تغيير الوقائع الجغرافية أو التأثير في الموارد الطبيعية يجب أن يخضع لتقييم دقيق يستند إلى معلومات موثوقة، مع التمييز بين الوقائع الميدانية المؤكدة والتقديرات السياسية والسيناريوهات المحتملة.
ومن الضروري ألا تتحول التطورات العسكرية إلى ذريعة لفرض ترتيبات دائمة تنتقص من وحدة الأراضي اللبنانية أو تقيد قدرة الدولة على إدارة حدودها وممارسة مسؤولياتها السيادية.
لكن مواجهة هذه المخاطر لا تتحقق بالخطاب السياسي وحده؛ إذ تتطلب مؤسسات قادرة، وقرارًا وطنيًا واضحًا، ودبلوماسية نشطة، وتعاونًا إقليميًا ودوليًا يحترم سيادة لبنان وحقوق مواطنيه.
كما أن حماية الحدود يجب أن ترتبط بحماية المدنيين، وتهيئة الظروف اللازمة لعودة السكان، وضمان احترام القواعد القانونية ذات الصلة، والحفاظ على حقوق لبنان في أراضيه وموارده.
إن السيادة ليست مجرد إعلان سياسي، وإنما قدرة فعلية على حماية الحقوق وإدارة الحدود واتخاذ القرارات المستقلة.
س: كيف يمكن للبنان تحصين جبهته الداخلية ومنع تحول خلافاته السياسية إلى منافذ للتدخل الخارجي؟
محمد غزال: تحصين الجبهة الداخلية يبدأ ببناء توافق وطني حول الثوابت الأساسية، وفي مقدمتها وحدة الأراضي اللبنانية، واستقلال القرار الوطني، وحماية المؤسسات الشرعية، وصون السلم الأهلي.
لكن هذا التوافق لا يعني إلغاء الاختلافات السياسية أو فرض رؤية واحدة على المجتمع، بل يعني إدارة الخلاف داخل مؤسسات دستورية فاعلة، والاحتكام إلى القانون، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية الضيقة.
فكلما ضعفت المؤسسات وتراجعت الثقة بين مكونات المجتمع، ازدادت فرص استغلال الخلافات الداخلية للتأثير في القرارات الوطنية. ولذلك، فإن الإصلاح السياسي والاقتصادي يمثل جزءًا من منظومة الأمن الوطني، وليس ملفًا منفصلًا عنها.
كما ينبغي تعزيز مسؤولية الخطاب السياسي والإعلامي، والحد من الاستقطاب، ومواجهة المعلومات المضللة، والتمييز بين النقد المشروع والتحريض الذي يهدد التماسك الاجتماعي.
ولا يمكن تجاهل الأبعاد التكنولوجية للأمن الحديث؛ إذ تبرز أهمية حماية البنية التحتية الحيوية، وتطوير قدرات الأمن السيبراني، وتأمين الاتصالات والخدمات الأساسية، والتعامل مع التهديدات التي تستهدف المعلومات والاقتصاد والطاقة.
الدولة الأكثر قدرة على حماية نفسها هي الدولة التي تمتلك مؤسسات متماسكة، ومجتمعًا يتمتع بقدر من الثقة، وآليات واضحة لإدارة الاختلاف، وقدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه.
س: تثار مخاوف بشأن الموارد المائية والغازية اللبنانية. كيف يمكن حماية هذه الموارد وتحويلها إلى رافعة للتعافي الاقتصادي؟
محمد غزال: الموارد الطبيعية تمثل عنصرًا مهمًا في المصالح الاستراتيجية للدولة اللبنانية، سواء تعلق الأمر بالمياه أو بالموارد الغازية المحتملة، لكنها لا تتحول تلقائيًا إلى ثروة تنموية لمجرد وجودها.
حماية هذه الموارد تتطلب قدرات فنية وقانونية ومؤسسية تضمن صون الحقوق اللبنانية، وإدارة الحدود البرية والبحرية وفق القواعد القانونية ذات الصلة، والتعامل مع الاستثمارات والاتفاقات بشفافية تحمي المصالح الوطنية.
أما الاستفادة الاقتصادية منها، فتحتاج إلى إدارة رشيدة، ورقابة فعالة، وتخطيط طويل الأجل، وضمان توجيه العوائد إلى الاستثمار المنتج وتحسين الخدمات العامة، بدلًا من استنزافها في نفقات غير مستدامة أو توظيفها لتأجيل الإصلاحات الضرورية.
ولا ينبغي أن تتحول الموارد الغازية إلى بديل عن تنويع الاقتصاد أو إلى مبرر للاعتماد على مصدر واحد للدخل. فالتنمية المستدامة تتطلب توسيع القاعدة الإنتاجية، والاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والبنية التحتية، وتطوير الزراعة والصناعة والخدمات.
كما أن الموارد المائية ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي والزراعي، وهو ما يستدعي تحسين إدارة المياه، والحد من الهدر، وتطوير أساليب الاستخدام، وتعزيز التعاون الفني لحماية هذه الموارد.
إن حماية الثروات الوطنية جزء من حماية الدولة نفسها، لكن قيمتها الحقيقية تتحدد بقدرة المؤسسات على إدارتها وتحويلها إلى منافع ملموسة للمجتمع.
س: هل يمكن أن يشكل عام 2026 نقطة انطلاق لمرحلة جديدة في لبنان، أم أن تراكم الأزمات يحد من فرص التغيير؟
محمد غزال: لا يمكن التعامل مع عام 2026 باعتباره نقطة تحول تلقائية، لكنه يمكن أن يمثل فرصة لإطلاق مسار تأسيسي جديد إذا توافرت الإرادة السياسية، والرؤية الوطنية، والقدرة على التنفيذ.
فالفرص لا تنشأ بمجرد مرور الوقت، وإنما من خلال قرارات واضحة تعالج جذور الأزمة، وتحدد الأولويات، وتوزع المسؤوليات، وتضع جداول زمنية قابلة للقياس، وتخضع النتائج للرقابة والمساءلة.
وأرى أن البداية يجب أن تكون بإعادة تفعيل المؤسسات الدستورية، وتحسين آليات اتخاذ القرار، وإطلاق برنامج اقتصادي يركز على الإنتاج وفرص العمل، بالتوازي مع إصلاح النظام المالي، وتعزيز المؤسسات الشرعية، وتطوير القدرة على حماية السيادة الوطنية.
كما ينبغي أن تتوافر آليات مستقلة لمتابعة التنفيذ، حتى لا يتحول الإصلاح إلى مجموعة من الوعود التي تتراجع أمام المصالح المتعارضة أو الضغوط السياسية والاقتصادية.
ولا بد من الاعتراف بأن الواقع اللبناني شديد التعقيد، وأن تجاوز الأزمة يحتاج إلى وقت وتوافقات وتضحيات موزعة بصورة عادلة. لكن استمرار تأجيل القرارات الضرورية يراكم تكلفة الأزمة ويضيّق هامش الخيارات المتاحة أمام الدولة والمجتمع.
التحدي الحقيقي ليس في إعلان بداية مرحلة جديدة، وإنما في تحويلها إلى مسار مؤسسي مستمر يستطيع الصمود أمام الخلافات والضغوط.
س: في ختام الحوار، ما الرسالة الأساسية التي توجهها إلى اللبنانيين والقوى السياسية بشأن مستقبل الدولة والسيادة؟
محمد غزال: رسالتي الأساسية هي أن إنقاذ لبنان لا يمكن أن يتحقق من خلال معالجة ملف واحد وإهمال بقية الملفات، لأن الأزمة السياسية تؤثر في الاقتصاد، والأزمة الاقتصادية تضعف المؤسسات، وضعف المؤسسات يزيد من المخاطر الأمنية، فيما تؤدي الانقسامات الداخلية إلى إضعاف القدرة على مواجهة الضغوط الخارجية.
ولذلك، فإن المطلوب مشروع وطني متكامل يربط الإصلاح الدستوري بالإنقاذ الاقتصادي، ويضع المواطنة والعدالة الاجتماعية في قلب السياسات العامة، ويعزز استقلال القضاء، ويعيد بناء الثقة في المؤسسات المالية، ويدعم القطاعات الإنتاجية، ويحمي رأس المال البشري اللبناني.
وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون السيادة الوطنية هدفًا عمليًا تدعمه مؤسسات قادرة، وقرار سياسي مستقل، وعلاقات إقليمية ودولية متوازنة، وتعاون عربي يسهم في تعزيز الاستقرار والتنمية من دون الانتقاص من إرادة الدولة اللبنانية.
إن تحصين الجبهة الداخلية لا يعني تجاهل الخلافات، وإنما إدارة هذه الخلافات بصورة تمنع تحولها إلى مصدر دائم لتعطيل الدولة أو إضعاف قدرتها على حماية مصالحها.
وأعتقد أن الرهان الحقيقي أمام لبنان يتمثل في بناء دولة يشعر المواطن بأنها قادرة على حمايته، وتوفير الفرص له، وإدارة موارده بكفاءة، وصون حقوقه، والدفاع عن أرضه وسيادته.
فالدولة القوية ليست تلك التي تتجنب الأزمات فحسب، وإنما التي تمتلك مؤسسات قادرة على التعامل معها، ومجتمعًا يثق في عدالة قواعدها، واقتصادًا يستطيع تمويل احتياجاتها، ورؤية استراتيجية تحافظ على استقلال قرارها وتفتح أمام الأجيال المقبلة أفقًا أكثر استقرارًا.
خاتمة الحوار
تكشف محاور الحوار مع المفكر السياسي محمد غزال عن أن مستقبل لبنان يرتبط بقدرته على تجاوز المعالجات الجزئية والانتقال إلى مشروع متكامل لإعادة بناء الدولة، تتكامل فيه الإصلاحات الدستورية مع الإنقاذ الاقتصادي، وتتعزز من خلاله مؤسسات الحكم والرقابة، وتُستعاد الثقة بين المواطن والدولة على أساس المواطنة المتساوية والعدالة والمساءلة.
فالأزمة اللبنانية، في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، لا تسمح بفصل الملفات بعضها عن بعض، كما أن تعقيداتها الإقليمية تجعل من تماسك الجبهة الداخلية واستقلال القرار الوطني عاملين أساسيين في حماية السيادة وصون المصالح الوطنية. ومن هنا، تبرز أهمية تطوير مؤسسات الدولة، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وإدارة الموارد الطبيعية وفق قواعد شفافة، وتوسيع مجالات التعاون العربي والدولي بما يدعم الاستقرار والتنمية ويحترم الإرادة اللبنانية.
ويظل التحول من اقتصاد الريع والديون إلى اقتصاد الإنتاج، ومن المحاصصة المعطلة إلى المواطنة الفاعلة، ومن التسويات المؤقتة إلى المؤسسات المستقرة، أحد أبرز التحديات التي تواجه لبنان في المرحلة المقبلة. وهو تحول لا يتحقق بقرارات شكلية أو وعود سياسية، بل يحتاج إلى رؤية واضحة، وإرادة إصلاحية، وتوافق وطني، وخطط قابلة للتنفيذ والقياس، مع توزيع عادل للأعباء وضمانات حقيقية للمساءلة.
وفي المحصلة، فإن استعادة لبنان لعافيته لا تعني فقط تجاوز أزمته المالية أو احتواء المخاطر الأمنية، وإنما بناء دولة قادرة على حماية مواطنيها، وصون مواردها، وإدارة تنوعها، والدفاع عن سيادتها، وتوفير فرص حقيقية للأجيال الجديدة. وبين ضغوط الواقع وإمكانات الإصلاح، تبقى قدرة اللبنانيين على الاتفاق على مشروع وطني جامع هي العامل الحاسم في تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة البناء، والانتقال من استنزاف الدولة إلى استعادة فاعليتها، ومن هشاشة المؤسسات إلى استقرار مستدام يقوم على القانون والإنتاج والمواطنة والسيادة.





