تقارير وتحقيقات

حين يتعانق النيل والصحراء … قراءة في وجدان مصر والمملكة العربية السعودية

بقلم: نيفين صلاح

حجم الخط:
ثمة أوطان لا تسكن الخرائط فحسب بل تسكن الوجدان وتترك في ذاكرة الزمن أثرا لا تمحوه السنين ومن بين هذه الأوطان تقف مصر والسعودية كقصيدتين من ديوان العروبة لكل منهما لحنها ومجدها وبينهما خيط من المودة تنسجه الأيام وتحفظه المواقف
مصر ابنة النيل الذي يجري في عروق الأرض كأنه نبض الحياة وحارسة حضارة كلما طوى الزمن صفحة من تاريخها أشرقت من جديد كأنها تعرف سر البقاء وتكتب بالحجر والحرف حكاية الإنسان والإبداع
والسعودية ابنة الصحراء التي خبأت في رمالها أمجاد الأجداد وفتحت في أفقها أبواب المستقبل وهي أرض الحرمين الشريفين ومهوى أفئدة المسلمين وموطن الأصالة والعزيمة حيث تصافح جذور الماضي أحلام الغد
وحين يلتقي النيل بالصحراء لا تذوب الملامح بل تتكامل الألوان فلكل وطن خصوصيته ولكل شعب حكايته غير أن الأخوة الصادقة تجعل الاختلاف ثراء والمسافات جسورا والاحترام لغة تتجاوز حدود المكان
لكن العروبة اليوم تواجه أزمات تثقل حاضرها وتختبر قدرتها على التماسك ولم يعد يكفي أن نتغنى بأمجاد الماضي بينما تتسع شقوق الخلاف في جدار الأمة فالعروبة ليست ذكرى نلوذ بها حين نشتاق وليست شعارات ترفعها الألسن ثم تنساها المواقف بل مسؤولية تقتضي الحكمة والحوار وصون كرامة الشعوب وأمنها واستقرارها
وهنا تبرز أهمية العلاقات بين مصر والسعودية بما تحمله من تاريخ وروابط ثقافية ومصالح مشتركة فالتقارب بينهما ليس مجرد حكاية من الماضي بل فرصة لصناعة حاضر أكثر توازنا ومستقبل أوسع أملا من خلال التعاون والعلم والثقافة والإبداع فنهضة الأوطان لا يصنعها الحنين وحده بل تصنعها الإرادة التي تحول الأحلام إلى واقع والمواقف الصادقة إلى جسور ممتدة بين الشعوب
وللثقافة في هذه المسيرة دور لا يقل شأنا عن سائر ميادين البناء فالكلمة الصادقة تستطيع أن تطفئ نارا أشعلها سوء الفهم وأن تفتح في جدار الخصومة نافذة للحوار والأدب حين يحمل هم الإنسان يصبح وطنا آخر تلتقي فيه القلوب مهما ابتعدت الدروب
يا مصر يا قصيدة النيل التي لا ينضب ماؤها ويا سعودية يا أفق الصحراء الذي لا تحده المسافات لكل منكما مجدها الذي يزداد جمالا حين يحترم مجد الآخر فليس المجد أن ترتفع راية لتطفئ أخرى بل أن تتجاور الرايات في سماء العروبة وأن يجد كل وطن في نهضة أخيه أملا يضاف إلى آماله
ستظل مصر بتاريخها وحضارتها والسعودية بمكانتها وأصالتها صورتين مضيئتين في وجدان الأمة وستظل الأخوة الحقيقية أبلغ من الخطب وأبقى من الشعارات لأنها لا تقاس بما يقال في أوقات الصفاء بل بما تصونه المواقف حين تشتد العواصف
فما قيمة نيل يجري إن جفت في القلوب ينابيع المودة وما جدوى صحراء تتسع آفاقها إن ضاقت النفوس عن الأخوة
حين يتعانق النيل والصحراء لا يلتقي الماء بالرمل فحسب بل تتصافح ذاكرة الحضارة مع شموخ الأصالة ويلتقي التاريخ بالمستقبل وتجد العروبة في اختلاف أوطانها ثراء وفي تعاونها أملا يستحق أن يصان
فما بين النيل والصحراء عهد لا تكتبه الجغرافيا بل تحفظه القلوب وتصونه المواقف فمصر والسعودية ليستا مجرد وطنين في خريطة العروبة بل نبضان في جسد أمة لا يليق بها التفرق ولا يليق بتاريخها الانكسار
وستبقى العروبة حية ما بقيت في أبنائها يد تبني وقلوب تتآلف وإرادة ترفض أن يكون الخلاف أقوى من الأخوة فالأوطان قد تفصل بينها المسافات لكن ما تجمعه المحبة لا تفرقه العواصف
زر الذهاب إلى الأعلى