تقارير وتحقيقات

الشرق الأوسط يقترب من لحظة الحسم الكبرى بين نيران التصعيد ورسائل الغموض

حجم الخط:
تأسيساً على الرؤية التحليلية المعمقة والمعلومات الحصرية الصادرة عن معالي اللواء سامي دنيا، المحلل العسكري، تمر منطقة الشرق الأوسط حالياً فوق خيط رفيع يقع تماماً بين حدود الردع الشامل وحافة الانفجار الكبير. إن قراءة المشهد الراهن بـ “كل هدوء” تكشف عن مفارقة تاريخية؛ فأخطر اللحظات وأكثرها حساسية غالباً ما تكون تلك التي تسبق العاصفة، حيث تشير الوقائع الميدانية إلى أن الحرب الإقليمية لم تعد خطراً مستقبلياً بل هي “بدأت بالفعل” على أرض الواقع، ولكن عبر هندسة عسكرية واستخباراتية جديدة تعتمد على لغة النار لبعث رسائل الغموض وتحسين شروط التفاوض.
تتبدى ملامح هذا المشهد في التحركات الأخيرة التي شهدتها منطقة الخليج العربي؛ إذ استبقت إيران الأحداث وقصفت ما سمّي بـ “الفراغ المحيط” بمحطة براكة للطاقة النووية السلمية في دولة الإمارات العربية المتحدة، متبعة ذلك بإرسال ثلاث طائرات مسيرة عبر أذرعها في العراق باتجاه المملكة العربية السعودية في مسارات يسهل اعتراضها. إن هذا السلوك لا يصنف كعدوان عسكري تدميري مباشر، بل هو “قصف تحذيري شديد اللهجة”؛ تهدف طهران من خلاله إلى إيصال رسائل ميدانية بالنار مفادها أن الاستعدادات والتحركات العسكرية الأمريكية على الأراضي الخليجية مرصودة بالكامل، وأن أي انخراط مستقبلي كشريك في أي هجوم يستهدفها سيجعل كل شيء مباحاً ومتاحاً، لتتجاوز الاستهدافات المصالح الأمريكية وتطال العمق الخليجي مباشرة. وتتحرك إيران هنا بعقلية “المعركة الأخيرة”؛ فالنظام الذي يواجه أزمات اقتصادية خانقة يرى في هذه المواجهة مسألة حياة أو موت، إذ إن انتهاء الحرب دون مكاسب وتعويضات مالية سيعني انهياره داخلياً خلال شهور بسيطة. وفي المقابل، يبدو البعد الاقتصادي هو المحرك الأساسي لدول الخليج التي تسعى عبر الضغوط الدولية لفتح مضيق هرمز وتقليص فاتورة الخسائر الفادحة، مما يثبت أن كل صاروخ يطلق في المنطقة مرتبط تماماً بسعر برميل النفط أو بصفقة نفوذ سياسي.
وعلى جبهة العمق الإسرائيلي، تفرض حرب المعلومات والعمليات السيبرانية السرية نفسها كبديل للمخططات الصهيونية العالمية التقليدية التي فشلت في إسقاط الدول وتغيير الخريطة إثر الضغوط الدولية لكبح جماحها. إن التفجير الهائل الذي ضرب مجمع “بيت شيمش” المسؤول عن صناعة الصواريخ الثقيلة والوقود الصلب وبرامج الفضاء والأقمار الصناعية يعكس دماراً هائلاً أكدته صور الأقمار الصناعية، ورغم محاولات التعتيم وإنكار الاختراق من خلال التبرير بوجود أعطال فنية، فإن المعطيات التقنية الدقيقة تشير إلى “اختراق سيبراني كبير جداً” نجح في تعطيل دوائر التبريد الخاصة بتجارب محركات دفع الوقود الصلب دون وجود اختبارات فعلية، متسبباً في تدمير المنظومة بالكامل. ويتزامن هذا التراجع الميداني مع المعركة الشخصية والسياسية التي يخوضها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإنقاذ نفسه من السقوط، مستخدماً الفوضى الطويلة واستنزاف الأطراف كأداة للاحتلال التدريجي في لبنان وسوريا، ومؤكداً أن أخطر الحروب هي التي يقودها سياسي يخشى السقوط أكثر مما يخشى النار.
وفي المقابل، برزت القدرة الاستخباراتية المصرية لتشكل رادعاً علنياً غير مسبوق، حيث نجح تقرير تفصيلي بثته قناة “القاهرة الإخبارية” في فضح أخطر المواقع الأمريكية السرية في صحراء النقب والمعروف بالموقع “512”. وجاء هذا الكشف مدعوماً بفيلم مصور أُنتج بتقنيات الذكاء الاصطناعي ليرسم الموقع “بالطوبة والمليمتر”، محدداً أعداد أفراده بالواحد، والتطويرات والأجهزة الحديثة التي أضيفت مؤخراً، بالإضافة إلى رصد الزيادة الأخيرة التي بلغت ألف جندي وضابط؛ كرسالة معلوماتية دقيقة رداً على تقارير معادية مماثلة. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يعقب نشر هذا التقرير اشتعال الحرائق في قاعدة “تساليم” للقوات الخاصة القريبة من الموقع السري، وهي القاعدة البرية الرئيسية المشتركة في مناورات إسرائيل الحشدية المدعوة “الكبريت والبارود” على حدود مصر والأردن، فضلاً عن اندلاع حرائق مماثلة في قاعدة “نفاطيم” الجوية -مركز أسراب طائرات F-35 الشبحية- وحريق آخر محدود في مطار بن غوريون، مما تسبب في إرباك واضح للعمليات الجوية والبرية، متجاوزاً حدود الصدفة أو التبريرات الرسمية المتعلقة بموجات الحر المناخية.
يرتبط هذا الغليان الإقليمي بالصراع الدولي الأشمل لإعادة تقسيم المكاسب والنفوذ على مستوى العالم، وهو ما يتضح من التصعيد الكبير بالصواريخ والمسيرات بين روسيا وأوكرانيا قبيل زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين، حيث تتحرك الجبهات العالمية كافة بذات المنطق الرامي إلى “تحسين شروط التفاوض” قبل إبرام التسويات الكبرى. ورغم هذا التشابك المعقد، فإن التحليل النهائي للأوضاع يظل إيجابياً ومطمئناً للمدنيين والجاليات في الخليج؛ إذ إن حسابات الردع الحقيقية تمنع حدوث كوارث نووية أو انهيارات شاملة، نظراً لأن ضرب إيران نووياً يظل أمراً مستحيلاً لامتلاكها أسلحة كيميائية وقذرة كفيلة بإفناء المنطقة وأجزاء من أوروبا، وهو “الرعب المتبادل” الذي يمنع الجنون الكامل ويجعل اختيار الأهداف بعيداً عن المفاعلات المشعة. وبقاء بعض الجبهات كقطاع غزة بعيدة عن الانفجار الكلي حتى الآن يضمن عدم خروج الصراع عن السيطرة، مما يتطلب متابعة المشهد بعين واعية ترى الصورة الكاملة ولا تلتفت لضجيج منصات التواصل الاجتماعي؛ حفظاً للأوطان واستقرارها تحت مظلة الردع المعلوماتي والعسكري اليقظ.

عرض أقل
زر الذهاب إلى الأعلى