تقارير وتحقيقات

أجرأ حوار مع جون زكريا خبير الموارد البشرية والاستشارات التنفيذية

انجى رزق

حجم الخط:

لم يعد نجاح المؤسسات في الوقت الراهن مرهونًا بحجم استثماراتها أو سنوات وجودها في السوق فحسب، بل أصبح مرتبطًا بقدرتها على التكيف مع المتغيرات، وتطوير أنظمتها الإدارية، والاستثمار في رأس المال البشري باعتباره المحرك الرئيسي للنمو.

وفي حوار خاص مع الأستاذ جون زكريا، خبير الموارد البشرية وصاحب شركة The Vision للاستشارات التنفيذية وإعادة الهيكلة، تحدث عن التحولات التي يشهدها سوق العمل، وأهمية إعادة الهيكلة في دعم استدامة الشركات، فضلًا عن رؤيته لمستقبل الموارد البشرية وأبرز المهارات المطلوبة في بيئة العمل الحديثة.

ويتناول الحوار عددًا من الملفات المهمة المتعلقة بالتوظيف، والتطوير المؤسسي، وإدارة المواهب، والتحديات التي تواجه الشركات في ظل المنافسة المتزايدة، إلى جانب مجموعة من الرسائل والنصائح المستندة إلى خبرة عملية واسعة في هذا المجال.

• هل فعلًا الـ CV القوي يضمن فرصة عمل؟

الـ CV عبارة عن المفتاح الذي يفتح باب المقابلة. بمعنى أن السيرة الذاتية إذا لم تكن قوية فلن تفتح لك الأبواب من الأساس. وحاليًا توجد مواقع كثيرة تقوم بتقييم الـ CV وتوضح لك نسبة توافقه مع الوظيفة المطلوب التعيين فيها.

• ما الذي يجعلك تكوّن انطباعًا عن المرشح خلال أول 30 ثانية؟

لغة الجسد هي العامل الأساسي في تكوين الانطباع الأول. فمن أول طريقة السلام نلاحظ هل يوجد ثقة أم لا، وطريقة الجلوس توضح مدى الثبات أو التوتر، والتواصل البصري يكشف الكثير، وكذلك نبرة الصوت. وقبل كل ذلك، تلعب الملابس دورًا مهمًا؛ فكلما كانت متناسقة وتحمل قدرًا من الاحترام، عكست مدى احترام المرشح للمقابلة.

• لماذا ترفض بعض الشركات مرشحين أكفاء؟

لكل شركة ثقافة خاصة بها تظهر في طريقة التواصل بين الموظفين، وآليات العمل، والقيم والمبادئ التي تحكم المؤسسة. لذلك قد ترفض الشركة شخصًا كفؤًا لأنه لا يتناسب مع ثقافتها التنظيمية.

ولهذا السبب نوصي دائمًا الموظفين والباحثين عن عمل بدراسة المهارات الشخصية (Soft Skills) إلى جانب المهارات الفنية والتقنية الخاصة بالوظيفة، لأن ذلك أصبح ضرورة في ظل المنافسة الشديدة داخل سوق العمل.

• ما أكبر كذبة منتشرة في سوق العمل؟

أكبر كذبة منتشرة منذ سنوات هي مقولة: “مفيش شغل”.

قبل أن تقول إن سوق العمل لا يحتوي على وظائف، عليك أولًا أن تقيّم مهاراتك وقدراتك: هل هي مناسبة لسوق العمل الحالي أم لا؟

بمعنى أوضح، يجب أن تمتلك المهارات المطلوبة حاليًا، سواء اللغات أو مهارات الذكاء الاصطناعي (AI)، بالإضافة إلى القدرات الشخصية والفنية المتخصصة التي تجعلك مؤهلًا ومطلوبًا لدى الشركات. لذلك لا يجب أن نلقي اللوم على السوق قبل أن نراجع أنفسنا.

• هل ما زالت الواسطة تؤثر في التوظيف؟

نعم، بالتأكيد.

ولكن دعني أذكر لك موقفًا عمليًا حدث مؤخرًا. تواصل معي أحد مديري الشركات طالبًا تعيين أحد أقاربه في وظيفة تتطلب مهارات في الذكاء الاصطناعي واللغات، بينما لم يكن يمتلك سوى نسبة بسيطة جدًا من المهارات المطلوبة.

وعندما أرسلت له السيرة الذاتية لمرشح مؤهل واجتاز جميع المقابلات بنسبة نجاح مرتفعة، كان رد المدير: “ضع قريبي في وظيفة أخرى، وعيّن الشخص المؤهل في هذه الوظيفة لأنه سيزيد من ربحية الشركة”.

هذه الواقعة تؤكد أن الواسطة بدون كفاءة فرصها أقل بكثير من الكفاءة حتى في وجود الواسطة

• هل يمكن أن يكون الموظف المخلص عبئًا على الشركة أحيانًا؟

نعم، بالتأكيد.

يحدث ذلك عندما يتحول الموظف المخلص وصاحب الانتماء الكبير إلى شخص غير قابل للتطوير أو التعلم أو مواكبة التغيرات.

في سوق العمل الحالي نشاهد أمثلة كثيرة لشركات استغنت عن موظفين مخلصين، ليس بسبب إخلاصهم، ولكن لأنها احتاجت إلى موظفين يطورون أنفسهم باستمرار ويساهمون في تسريع الإنجاز وزيادة الربحية.

• ما الدرس الذي تعلمته متأخرًا وتمنيت معرفته في بداية مشوارك بمجال الموارد البشرية؟

التوازن بين الجانب الإنساني والجانب الفني في إدارة الموارد البشرية.

فلا بد أن تكون الكفتان متوازنتين، دون أن تطغى إحداهما على الأخرى، حتى نتجنب ظلم الموظفين أو ظلم الإدارة.

ومع الأخذ في الاعتبار أن نجاح إدارة الموارد البشرية هو في النهاية جزء أساسي من نجاح الشركة بالكامل وتحقيق المصلحة العامة للجميع.

• وأخيرًا، من خلال خبرتك الممتدة لأكثر من 20 عامًا، وآلاف المقابلات والاستشارات ومشروعات إعادة الهيكلة، إذا طُلب منك توجيه رسالة واحدة فقط لكل شاب يبحث عن فرصة، ولكل موظف، ولكل مدير، ولكل صاحب عمل، فماذا ستكون؟

من خلال سنوات الخبرة، أود أن أوجه رسالتي الأولى لكل شاب أو شابة يبحثان عن فرصة:

لا تكن تائهًا أو بلا هدف، ولا تعمل في أي مجال لمجرد العمل فقط. ابحث عن شغفك الحقيقي، لأن الأشخاص الذين يحققون النجاحات الكبيرة والأرقام الاستثنائية هم غالبًا الأكثر شغفًا بما يفعلونه.

أما رسالتي لكل موظف:

اسعَ دائمًا إلى تطوير نفسك، وادرس قراراتك جيدًا قبل اتخاذها، لأن بعض القرارات قد تكلفك سنوات من عمرك المهني دون أن تشعر.

وفى النهاية أما رسالتي لكل مدير:

كن إنسانًا قبل أن تكون مديرًا، ولا تجعل المنصب أو الكرسي يغير نظرتك للناس.

أما صاحب العمل، فرسالتي له:

حين منحك الله مسؤولية إدارة أشخاص كثيرين، فقد منحك أمانة كبيرة ستُسأل عنها. لذلك اجعل العدالة والاحترام قيمًا أساسية داخل شركتك، فهما أساس النجاح الحقيقي.

فالشركات التي تُدار بنظام مؤسسي عادل تُكتب أسماؤها بحروف من ذهب في سجلات سوق العمل.

زر الذهاب إلى الأعلى