
تمثل مرحلة ما بعد عام 2030 محطة مهمة في مسيرة الدولة المصرية، ليس فقط لارتباطها بانتهاء مدة رئاسية وفقاً للقواعد الدستورية، وإنما باعتبارها اختباراً حقيقياً لقدرة مؤسسات الدولة على ضمان الاستمرارية والاستقرار، والحفاظ على مقدرات الوطن ومكتسباته، وترسيخ نموذج الدولة الحديثة القائمة على المؤسسات الدستورية والتداول السلمي للسلطة.
وفي تقديري، فإن السؤال الذي ينبغي أن يتصدر الحوار الوطني والسياسي خلال المرحلة المقبلة ليس كيف يستمر شخص بعينه في موقع المسؤولية، وإنما كيف تستمر الدولة المصرية قوية ومستقرة وقادرة على حماية أمنها القومي ومواصلة التنمية، بصرف النظر عن الأشخاص الذين يتولون إدارة مؤسساتها. فالدول لا تستمد قوتها من بقاء الأفراد، وإنما من قوة مؤسساتها وقدرتها على الاستمرار وتجديد قياداتها.
_الدستور فوق المصالح الشخصية_
إن الدستور ليس وثيقة قابلة للتوظيف وفقاً للحسابات السياسية المؤقتة، وإنما هو عقد وطني ينظم العلاقة بين السلطات، ويحدد قواعد انتقال المسؤولية، ويحمي حقوق المواطنين، ويضمن استقرار الدولة. ومن ثم، فإن العبث بالنصوص الدستورية أو توظيفها لإطالة بقاء شخص بعينه في السلطة يمثل انحرافاً عن جوهر الدولة الدستورية، ويضعف الثقة في استقرار القواعد المنظمة للحياة السياسية.
ويجب إغلاق الباب أمام سماسرة الدساتير الذين يتعاملون مع النصوص باعتبارها أدوات للمناورة والمصالح، وليس قواعد حاكمة للجميع. فاحترام الدستور ليس موقفاً سياسياً انتقائياً، وإنما التزام وطني يجب أن يسري على الجميع دون استثناء.
وفي هذا السياق، فإن الرسالة التي أعلنها الرئيس عبدالفتاح السيسي بشأن انتهاء فترة رئاسته في عام 2030 وعدم المساس بالدستور، تمثل فرصة مهمة لفتح نقاش وطني جاد حول مستقبل الدولة وآليات إعداد القيادات القادرة على تحمل المسؤولية، والبناء على التصورات المطروحة لإعداد كوادر مؤهلة لتولي المناصب العليا.
_إعداد القيادات.. مشروع وطني لا صناعة وريث سياسي_
أرى أن فكرة إعداد القيادات يجب أن تتطور إلى مشروع وطني مؤسسي شامل، لا يقتصر على تأهيل شخص واحد أو مجموعة محدودة من الأسماء، وإنما يستهدف بناء قاعدة واسعة من الكفاءات السياسية والاقتصادية والإدارية والأكاديمية، القادرة على إدارة الدولة وفهم تعقيدات ملفاتها الداخلية والخارجية.
فمصر ليست عاجزة عن إنجاب قيادات تمتلك الكفاءة والخبرة والرؤية، لكنها تحتاج إلى منظومة حقيقية لاكتشاف هذه الكفاءات وإعدادها، تقوم على معايير موضوعية وشفافة، وتكافؤ الفرص، والنزاهة والقدرة على الإنجاز، بعيداً عن احتكار المشهد السياسي أو حصر الاختيارات في دوائر محدودة.
ولا تُصنع القيادة بمجرد المشاركة في برامج تدريبية، وإنما من خلال تراكم الخبرة، والقدرة على اتخاذ القرار، وفهم طبيعة الدولة ومؤسساتها، والإلمام بالتحديات الجيوسياسية والاقتصادية، والامتلاك الحقيقي لرؤية استراتيجية تستوعب متطلبات المستقبل.
ومن هنا، ينبغي أن تشارك الجامعات ومراكز البحث العلمي والأحزاب السياسية والخبراء ومؤسسات الإدارة والاقتصاد في مشروع وطني لإعداد القيادات، بما يضمن استمرار تجديد النخب وتوفير بدائل مؤهلة في مختلف مواقع المسؤولية.
_أربعون شهراً لبناء مرحلة سياسية جديدة_
إن الفترة المتبقية حتى عام 2030 يجب أن تتحول إلى فرصة حقيقية لنقل الخبرات المتراكمة، وتأهيل جيل جديد من القيادات، وتطوير آليات العمل السياسي والإداري، وتأسيس قواعد مؤسسية تمنع حدوث أي فراغ سياسي أو إداري عند انتقال المسؤولية.
والمطلوب ليس صناعة وريث سياسي، وإنما بناء دولة تمتلك القدرة على إنتاج قياداتها بصورة مستمرة، وتضمن انتقال المسؤوليات وفقاً للدستور والقانون. فاستقرار الدولة لا يتحقق بتجميد مواقع السلطة، وإنما بامتلاك مؤسسات قادرة على التجديد والتكيف مع المتغيرات.
_الاستقرار لا يعني بقاء الأشخاص_
هناك فارق جوهري بين استقرار الدولة واستمرار الأشخاص في السلطة. فالاستقرار الحقيقي يتحقق بقوة المؤسسات، واحترام الدستور، وتماسك المجتمع، وفاعلية أجهزة الدولة، وقدرتها على تجديد قياداتها.
أما اختزال الاستقرار في استمرار رئيس أو مسؤول إلى أجل غير محدد، فهو تصور لا يتفق مع فلسفة الدولة الحديثة. فالتداول السلمي للسلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة وتنافسية، في إطار الدستور والقانون، ليس تهديداً للاستقرار، بل أحد أهم ضماناته، لأنه يمنح الشعب حق الاختيار، ويجدد شرعية المؤسسات، ويفتح المجال أمام تطوير السياسات والأداء.
ولا يعني ذلك إهدار ما تحقق من إنجازات خلال السنوات الماضية، وإنما الحفاظ عليها وتطويرها وتقييم التجارب وتصحيح أوجه القصور، وتحويل المكتسبات الوطنية إلى أصول مؤسسية تستمر وتتطور مهما تغيرت القيادات.
_ما بعد 2030.. الأمن القومي واستمرار الدور المصري_
إن القيادة التي ستتولى مسؤولية الدولة بعد عام 2030 ستكون أمام تحديات تاريخية، تتطلب رؤية استراتيجية شاملة للحفاظ على الأمن القومي المصري بمفهومه الواسع، وفي مقدمته حماية الأمن المائي باعتباره قضية وجودية، وتأمين الحدود، والحفاظ على استقرار الجبهة الداخلية والتماسك المجتمعي، وصيانة الموارد والأصول الوطنية.
كما يجب مواصلة تطوير القدرات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، وتعزيز الأمن الغذائي والطاقي، وبناء اقتصاد إنتاجي قادر على مواجهة الأزمات والتحولات الدولية، لأن القوة الاقتصادية أصبحت أحد أهم مقومات استقلال القرار الوطني.
وعلى مستوى السياسة الخارجية، ينبغي الحفاظ على استقلال القرار المصري وتوازن العلاقات الدولية، واستمرار الحضور الفاعل في الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية، وتعزيز الدور المصري في أفريقيا، خاصة في مشروعات التنمية والتعاون الاقتصادي والبنية التحتية والأمن الإقليمي.
كذلك تظل حماية المصالح المصرية في البحر الأحمر والبحر المتوسط والممرات البحرية والتجارية ذات الأهمية الاستراتيجية من الأولويات الثابتة. وينبغي أن يكون انتقال القيادة انتقالاً منظماً للخبرات والمسؤوليات، لا سبباً لاهتزاز ثوابت السياسة الخارجية أو تراجع مكانة مصر الإقليمية والدولية.
_الإصلاح السياسي والشعب صاحب القرار_
إن بناء دولة المؤسسات لا يكتمل دون حياة سياسية أكثر حيوية واتساعاً، تتيح مشاركة مختلف القوى والنخب الوطنية، وتمنح الأحزاب فرصة حقيقية لتقديم برامجها ورؤاها، وتفتح المجال أمام الكفاءات الشابة وأصحاب الخبرات للمشاركة في صناعة المستقبل.
كما يتحمل الإعلام الوطني مسؤولية أساسية في فتح مساحات جادة للحوار، ومناقشة البدائل السياسية والاقتصادية، وتقديم المعلومات للمواطنين، بعيداً عن تكريس فكرة أن استمرار شخص بعينه هو الطريق الوحيد للحفاظ على استقرار البلاد.
فالشعب المصري ليس مجرد متلقٍ للقرارات، وإنما شريك أصيل في تحديد أولويات الدولة واختيار قياداته عبر الآليات الدستورية والانتخابية. واحترام إرادة الشعب يعني إتاحة الاختيار الحقيقي بين البرامج والرؤى والمرشحين، وضمان تكافؤ الفرص ونزاهة الانتخابات واحترام إرادة الناخبين.
كما أن الإصلاح السياسي لا ينفصل عن الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، لأن الاستقرار المستدام يحتاج إلى تحسين مستوى معيشة المواطنين، وتوفير فرص عادلة، وتطوير التعليم والصحة، وتعزيز الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
_مصر 2030.. مستقبل تصنعه المؤسسات لا الأشخاص_
إن التحدي الحقيقي أمام مصر ليس مجرد الوصول إلى عام 2030، وإنما الوصول إليه وقد أصبحت الدولة أكثر قدرة على إدارة التغيير، وتجديد قياداتها، واحترام قواعدها الدستورية، وتوسيع المشاركة الوطنية.
وأرى أن أعظم إنجاز يمكن أن تتركه أي قيادة وطنية ليس فقط ما تحققه من مشروعات ونتائج خلال فترة وجودها في السلطة، وإنما قدرتها على تأسيس مؤسسات تستطيع مواصلة العمل والإنجاز من بعدها، وإعداد أجيال جديدة تمتلك الكفاءة والرؤية وتحمل المسؤولية.
فمصر لا تحتاج إلى تغيير من أجل التغيير، ولا إلى استمرار من أجل الاستمرار، وإنما تحتاج إلى انتقال مسؤول يوازن بين الحفاظ على مقدرات الدولة وفتح آفاق جديدة للإصلاح والتطوير.
الدولة التي تحترم دستورها لا تخشى تداول السلطة، والدولة التي تمتلك مؤسسات قوية لا تخشى تجديد قياداتها، والدولة التي تثق في شعبها لا تصادر حقه في الاختيار.
إن الرئيس ينتهي دوره الدستوري، لكن الدولة لا تنتهي بانتهاء دور أي رئيس. فمصر أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، ومستقبلها يجب أن تصنعه مؤسسات قوية، وشعب يمتلك حق الاختيار، وقيادات وطنية قادرة على تحمل المسؤولية.








