“أخلاق” في مهب عاصفة الحرية!! بقلم: خالد محسن

بلا “رتوش” وبدون أقنعة، وفي مواجهة مباشرة بين صَون الثوابت وجنون الانفلات القيمي، تتخندق الإنسانية المعاصرة اليوم عند منعطف تاريخي دقيق، لا يقتصر على التحولات التكنولوجية أو الاقتصادية فحسب، بل يمتد ليطال الجوهر الأخلاقي للوجود البشري برمته. فحين نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام عاصفة عاتية تضع “قيمنا في مرمى سهام المغرضين”، يتبدى بوضوح حجم الاستهداف المنهجي لهوية الأفراد والمجتمعات.
وفي هذا فإننا لا نناقش مجرد تباين معتاد ومقبول في وجهات النظر، بل نشهد صراعاً فكرياً ونفسياً يتوزع بين فريقين: فريق يرى في الثوابت الأخلاقية والمعايير القيمية صمام الأمان الوحيد لبقاء الإنسان إنساناً، وفريق آخر يرفع شعار التحرر المطلق بلا قيود ولا بوصلة، متخذاً من التفكيكية والسيولة الفكرية مطايا لهدم كل سياج ترابي أو روحي يحمي المجتمعات من التداعي والانهيار.
وسنناقش هذه القضية الموجعة عبر عدد من المحاور علي النحو التالي:
• فوضى المفاهيم: أين يكمن التحرر الحقيقي؟
لقد أدى الخلط المتعمد بين “الحرية” بمعناها الإنساني النبيل وبين “الانفلات” العبثي إلى ترويج مفاهيم مشوهة، تصوّر القيم والأخلاق على أنها “أغلال” بالية تعيق انطلاق الفرد، بينما هي في جوهرها التحليلي شروط ضرورية،لحماية الإنسان ، ولحصانة وجوده الاجتماعي وتحقيق السعادة الحقيقية.
إن الحرية الحق ليست انطلاقاً بهيمياً بلا غاية، ولا تمرداً أجوف على الموروث القيمي الناضج، بل هي مسؤولية واعية واختيار بصير لما ينفع الناس ويمكث في الأرض.
وحين يُفرغ التحرر من محتواه الأخلاقي، فإنه ينقلب سريعاً إلى عبودية جديدة من نوع آخر؛ عبودية للشهوات المستعرة، والأهواء المتقلبة، و”الخوارزميات” الموجهة التي تعيد هندسة وعي الإنسان واستنزاف روحه وقيمه.
• آليات الاستهداف: سيكولوجية السهام الموجهة:
من المؤلم أن السهام الموجهة اليوم لثوابتنا لا تصدر عن محض صدفة أو شطحات فردية، بل تعمل وفق آليات مدروسة تسعى إلى تفكيك البنية التحتية للوعي الجمعي عبرت مجموعة من الآليات من بينها:
ـ التشكيك المنهجي في المرجعيات: خلخلة الثقة بالرموز الثقافية والمؤسسات التربوية، وتحويل الثوابت إلى محل جدل مستمر.
ـ إعادة تعريف المصطلحات: إسباغ ألقاب براقة على السلوكيات المنحرفة كـ “الاستقلالية” و”الفردانية”، مع وصم التمسك بالفضيلة بـ “الرجعية” و”الانغلاق”.
ـ التطبيع التدريجي مع الانحراف: عبر ضخ مواد ومضامين إعلامية وثقافية مكثفة، تجعل الغريب المرفوض مقبولاً ومألوفاً بمرور الوقت.
ـ حراسة المعنى في زمن العولمة الرقمية:
تتضاعف خطورة هذه المعركة في ظل المناخ الثقافي والعالمي العارم الذي تسوده العولمة الرقمية.
ويهدف هذا المناخ إلى “تنميط” العالم على ميزان مادي بحت، يُلغي الخصوصيات الحضارية، ويُذيب الهويات الوطنية والروحية، ويحيل الإنسان إلى كائن استهلاكي مسطح لا يؤمن بمرجعية ثابتة ولا بقيم متعالية.
وفي هذا الفضاء الإفتراضي المفتوح، يصبح التمسك بالأخلاق والمعايير الراسخة نوعاً من المقاومة الفكرية الشريفة؛ مقاومة تسعى إلى الحفاظ على بوصلة الوعي الجمعي من الضياع في لجب الفوضى العارمة.
إن حراسة الثغور الروحية والقيمية اليوم ليست نكوصاً أو هروباً إلى الماضي، بل هي رهان حقيقي على مستقبل البناء الحضاري الذي لا يمكن أن يقوم على أنقاض الفضيلة.
• خط الدفاع الأول: الأسرة والتعليم في المواجهة:
لا يمكن الحديث عن صون الثوابت دون التوقف عند خط الدفاع الأول والأهم: الأسرة والمؤسسة التعليمية.
إن الهجمة المعاصرة تستهدف بشكل مباشر تفكيك الرابطة الأسرية وإضعاف دور الوالدين في التنشئة، لصالح مربين جدد يقبعون خلف الشاشات الذكية.
• إعادة البناء
إن إعادة بناء حصوننا الداخلية تتطلب:
ـ تمكين الأسرة: دعم الدور التربوي للوالدين وتزويدهما بأدوات الحوار الواعي مع الأبناء لرد الشبهات بدلاً من قمعها.
ـ تطوير المناهج التعليمية: دمج فلسفة الأخلاق والتربية المعيارية في المناهج، ليتعلم الطالب كيف يفكر بنقد وبصيرة لا كيف يستهلك ما يُعرض عليه بلا تمحيص.
• نحو وعي بصير واستباقي: أدوات المواجهة
إن الرد الواعي على هذا الاستهداف لا يكون بالانكفاء على الذات أو اكتفاء بالصراخ والشجب، بل بالاشتباك الفكري الرصين، وإعادة الاعتبار للفلسفة الأخلاقية في الخطاب الثقافي والإعلامي.
وما علينا إلا أن نثبت لمن يبصرون أن القيم والمعايير ليست جدراناً تحجب الرؤية، بل هي الضفاف الآمنة التي تجعل لنهر الحياة مجرىً ونفعاً، وإلا تحول النهر إلى سيول جارفة تدمر الأخضر واليابس.
ويتطلب منا الخطاب الاستباقي العمل على ثلاثة مسارات متوازية:
ـ المسار الفكري: تقديم صياغات معاصرة وبليغة للقيم الإسلامية والحضارية تخاطب العقل الشاب بلغته وبأدوات عصره.
ـ المسار الإعلامي والثقافي: إنتاج محتوى جذاب يبرز جمال الفضيلة وقوة المعنى مقابل خواء الانفلات والسيولة.
ـ المسار المجتمعي: بناء بيئات حاضنة تشجع الشباب على التمسك بهويتهم دون شعور بالغربة أو العزلة.
إن معركة القيم هي في الأصل معركة وجود وكرامة، فلا حياة بدون قيم وبها تُقاس حضارات الأمم وبقاؤها؛ فإما استمساك صلب بجادة المعنى والأصل، وإما ذوبان مهين في طوفان العبث والانفلات.
وفي نهاية المطاف، يتكشف لنا أن المعركة الحقيقية التي تخوضها مجتمعاتنا اليوم ليست معركة سياسية أو اقتصادية عابرة، بل هي معركة وعي وهُوية تُحاك فيها خيوط دقيقة لهدم الأركان الأخلاقية التي تقام عليها بنيان الحضارات.
إن إصرارنا على التمسك بثوابتنا وقيمنا النبيلة ليس جموداً يحبسنا في إسار الماضي، ولا هو خوف مستتر من رياح التجديد، بل هو درع واقٍ يحمي الكيان البشري من الانزلاق نحو هاوية العدمية والسيولة المطلقة التي تفرغ الإنسان من إنسانيته.
لقد أوهمونا طويلاً أن التحرر الحقيقي يكمن في الانسلاخ عن كل مرجعية، وفي تمجيد النزوات الفردية على حساب المصلحة الروحية والاجتماعية العليا؛ فكانت النتيجة مزيداً من التخبط الوجودي والضياع القيمي. والحق أن الحرية الناضجة لا تنفصل بحال عن المسؤولية، والوعي البصير لا يعادي الفضيلة بل يراها سياجاً يحفظ طاقات الأمة من تبديدها في أتون العبث.
إن حراسة حصوننا القيمية اليوم هي مسؤولية تضامنية لا تسقط بالتقادم؛ تبدأ من صحوة الضمير الفردي، وتمر بدور تربوي راسخ للأسرة والمدرسة، وصولاً إلى خطاب فكري وثقافي وإعلامي واعي ومستنير، يقدم البديل الجذاب، ويؤكد بالدليل والبرهان أن الأخلاق ليست قيوداً تكبل الأجنحة، بل هي الريح الطيبة التي ترفع الطموحات الإنسانية إلى أعالي القمم.
وينبغي أن ندرك جيداً أن بقاء الأمم واستمرار رسالتها مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى تمسكها ببوصلة الأخلاق؛ فإما شموخ على جادة الثوابت والمعاني السامية، وإما ذوبان بطيء في طوفان الزي
ف والانفلات!.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.





