منوعات

الجمعة صبغة إيمانية وصك الهي

نيفين صلاح

حجم الخط:

عزيزي القارئ…

يوم الجمعة تتجدد دعوة الإنسان إلى مراجعة نفسه والعودة إلى الله فهو يوم له مكانة عظيمة في حياة المسلمين يجتمعون فيه على الصلاة والذكر والاستماع إلى خطبة الجمعة لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه هو ماذا يتبقى في سلوكنا بعد أن نغادر المسجد وهل تترك العبادة أثرا حقيقيا في أخلاقنا ومعاملاتنا

 

يقول الله تعالى في سورة البقرة صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون وقد فسر العلماء صبغة الله بأنها دين الله وقيل إنها فطرة الله التي فطر الناس عليها وكما تترك الصبغة أثرها في الثوب ينبغي أن يترك الإيمان أثره في القلب والسلوك والأخلاق

 

ولفهم الآية علينا أن ننظر إلى سياقها حيث يرد القرآن الكريم على دعوة اليهود والنصارى إلى اتباع ملتهم فيقول سبحانه وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ثم يوجه الأنظار إلى ملة إبراهيم عليه السلام القائمة على التوحيد والإخلاص لله لتؤكد الآيات أن الهداية الحقيقية ليست مجرد انتساب أو ادعاء وإنما إيمان صادق يظهر أثره في حياة الإنسان

 

ومن هنا تظهر العلاقة بين معنى صبغة الله ويوم الجمعة فالمسلم الذي يقف بين يدي الله ويستمع إلى القرآن والموعظة ينبغي أن يجعل من هذه اللحظات فرصة لمراجعة نفسه وتصحيح أخطائه وتجديد توبته فلا تكون الجمعة مجرد موعد أسبوعي يؤدي فيه الصلاة ثم يعود إلى حياته كما كان وإنما تكون بداية جديدة تدفعه إلى إصلاح علاقته بربه وبالناس

 

وقد أمرنا الله بالسعي إلى ذكره يوم الجمعة فقال سبحانه يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع وفي ذلك تذكير بأهمية تقديم طاعة الله على الانشغال بالدنيا وأن العبادة ينبغي أن يكون لها أثر في قرارات الإنسان وسلوكه وتعاملاته

 

لكن المؤسف أن بعض الناس يحرصون على حضور صلاة الجمعة ثم يعودون إلى ظلم الآخرين أو أكل حقوقهم أو إيذائهم بالكلام والتصرفات وكأن العبادة منفصلة عن الأخلاق مع أن الإيمان الحقيقي يدعو إلى الصدق والأمانة والرحمة والعدل ويجعل الإنسان أكثر حرصا على حقوق غيره وأكثر استعدادا للاعتراف بخطئه وإصلاح ما أفسده

 

وليس معنى ذلك أن المؤمن لا يخطئ فالإنسان بطبيعته يضعف ويقصر وإنما المهم ألا يجعل من الخطأ عادة لا يراجعها بل يتخذ من الصلاة والذكر والموعظة أسبابا للتوبة والإصلاح فخير الناس ليس من يدعي الكمال وإنما من يجاهد نفسه ويعود إلى الحق كلما أخطأ

 

إن أثر الإيمان يظهر في التاجر الذي يرفض الغش وفي الموظف الذي يؤدي عمله بأمانة وفي المسؤول الذي يعدل بين الناس وفي الأب الذي يرحم أبناءه وفي الإنسان الذي يحفظ لسانه عن الأذى ويصون كرامة الآخرين حتى عند الاختلاف معهم فهذه هي المعاني التي تجعل الدين حاضرا في واقع الحياة وليس مجرد كلمات تقال أو مظاهر يراها الناس

 

ويوم الجمعة فرصة لكل واحد منا لكي يسأل نفسه هل أصبحت أكثر صدقا وأمانة ورحمة وهل أصلحت ما بيني وبين الله وهل رددت حقا إلى صاحبه وهل تخلصت من خصومة أو حقد أو ظلم كنت أستطيع إنهاءه فهذه الأسئلة تساعدنا على محاسبة النفس وتجعل العبادة بداية لتغيير حقيقي في حياتنا

 

إن المجتمع الذي يحرص أفراده على العبادة ويترجمون إيمانهم إلى أخلاق ومعاملات يكون أكثر قدرة على مواجهة الظلم والغش لأن الدين حين يستقر في القلوب يدفع الإنسان إلى احترام الحقوق والوفاء بالعهود والتعاون على الخير ويجعله يدرك أن صلاح المجتمع يبدأ من صلاح الفرد ومسؤوليته عن أفعاله

 

وهكذا لا ينبغي أن تنتهي رسالة الجمعة بانتهاء الصلاة بل تمتد إلى سائر أيام الأسبوع فتظهر في تعاملاتنا داخل بيوتنا وأعمالنا وشوارعنا وتتحول الموعظة التي سمعناها إلى عمل والتوبة التي عزمنا عليها إلى تغيير حقيقي والعبادة التي أديناها إلى دافع للإصلاح والإحسان

 

إن قوله تعالى صبغة الله يذكرنا بأن أجمل ما في التدين هو أثره الذي يراه الناس في أخلاق صاحبه وأن خير ما يعود به المسلم من صلاة الجمعة قلب أقرب إلى الله ونفس تسعى إلى الإصلاح ويد تمتنع عن الأذى ولسان يحرص على الكلمة الطيبة وسلوك يحمل الخير والرحمة إلى الآخرين

 

لذلك عزيزي القارئ لمقالي

فلنجعل من كل جمعة فرصة لبداية أفضل ومن كل صلاة عهدا متجددا مع الله ومن كل موعظة خطوة نحو إصلاح النفس حتى لا تبقى صبغة الإيمان حبيسة الكلمات بل تصبح حقيقة نعيشها في أعمالنا ومواقفنا ويشهد بها سلوكنا قبل أن تتحدث عنها ألسنتنا .

زر الذهاب إلى الأعلى