منوعات

حسين القاضي يكتب: النيل حق لا يقبل المساس والدبلوماسية طريق والسلام خيار والقوة رادع

حجم الخط:

 

يمثل نهر النيل بالنسبة إلى مصر أكثر من مجرد مجرى مائي عابر للحدود، فهو شريان الحياة الذي ارتبط وجود الدولة المصرية وتطور حضارتها واستقرار مجتمعها بهذا النهر عبر آلاف السنين. ومن هذا المنطلق، ينظر المصريون إلى النيل باعتباره نعمة إلهية، جرى بها النهر ليكون مصدرًا للحياة والتنمية لشعوب ودول القارة الأفريقية المطلة عليه.

 

وتنبع أهمية قضية مياه النيل من كونها قضية تتجاوز الحسابات السياسية والاقتصادية الضيقة، لتلامس بصورة مباشرة الأمن المائي والاستقرار الاجتماعي ومستقبل الشعوب. ولذلك فإن التعامل مع مياه النيل يجب أن يقوم على قاعدة أساسية مفادها أن التنمية لا ينبغي أن تكون على حساب حقوق الآخرين، وأن حق أي دولة في التنمية لا يمكن أن يتحول إلى مبرر للانتقاص من الحقوق المائية لدول أخرى.

 

_مصر .. التنمية دون الإضرار بحقوق الآخرين_

 

انطلاقًا من إيمان الجمهورية المصرية بأهمية نهر النيل وعظمة هذه النعمة، لم تسعَ مصر إلى الإضرار بحقوق الدول الأفريقية أو منعها من الاستفادة من مواردها الطبيعية، كما لم تقف ضد المشروعات السلمية التي تستهدف التنمية وتحسين مستوى معيشة الشعوب.

 

فمصر، وفق هذه الرؤية، تنظر إلى التنمية الأفريقية باعتبارها هدفًا مشروعًا، وترى أن ازدهار شعوب القارة لا يتعارض في الأصل مع الحفاظ على الحقوق التاريخية والمائية للدول الأخرى، شريطة أن تقوم المشروعات المائية الكبرى على قواعد واضحة تضمن عدم الإضرار الجسيم بدول المصب، وأن تراعي المصالح المشتركة وتوازن الاحتياجات.

 

ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين الحق في التنمية وبين استخدام التنمية باعتبارها أداة يمكن أن تؤثر في حقوق الآخرين. فالمشكلة ليست في أن تسعى أي دولة إلى تطوير بنيتها الأساسية، وإنما في كيفية تنفيذ تلك المشروعات وإدارتها وتأثيرها المحتمل على تدفقات المياه، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بنهر عابر للحدود تعتمد عليه دول وشعوب في حياتها اليومية.

 

_سد النهضة .. من مشروع تنموي إلى قضية أمن مائي_

 

في هذا السياق، جاء بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير ليضع قضية مياه النيل أمام واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا.

 

وبحسب الرؤية الواردة في المادة الأصلية، فإن القضية لم تعد بالنسبة إلى مصر مجرد مشروع تنمية داخل إثيوبيا، وإنما تحولت إلى ملف يرتبط بصورة مباشرة بحقوق دول المصب، وفي مقدمتها مصر التي يمثل نهر النيل بالنسبة إليها شريان الحياة.

 

وهنا تكمن حساسية القضية؛ فالمياه بالنسبة إلى مصر ليست سلعة يمكن تعويضها بسهولة، ولا موردًا ثانويًا يمكن الاستغناء عنه، وإنما عنصر أساسي في استمرار الحياة والإنتاج والزراعة والصناعة والاستقرار المجتمعي.

 

ولهذا فإن أي تغيير جوهري ومستدام في الموارد المائية المتاحة لمصر يمكن أن ينعكس على قطاعات واسعة من الدولة والمجتمع، وهو ما يجعل الأمن المائي جزءًا لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي المصري.

 

_الدبلوماسية أولًا_

 

منذ تصاعد أزمة سد النهضة، ظلت مصر تؤكد أهمية الوصول إلى حلول تفاوضية ودبلوماسية تحفظ حقوق الأطراف، وتجنب المنطقة الدخول في دائرة الصراع المفتوح.

 

وتستند هذه الرؤية إلى إدراك أن الحروب لا تحقق التنمية، وأن أي صراع عسكري في منطقة تعاني أصلًا من تحديات اقتصادية وأمنية وسياسية يمكن أن تكون له آثار بالغة على شعوب المنطقة بأكملها.

 

ومن هنا جاءت أولوية المسار الدبلوماسي، والحوار، والتفاوض، والبحث عن صيغة تحقق التوازن بين احتياجات إثيوبيا التنموية وحقوق دولتي المصب.

 

وتكشف هذه المقاربة عن رغبة مصرية في الفصل بين الشعب الإثيوبي وبين الخلافات السياسية المرتبطة بإدارة الموارد المائية؛ فالشعب الإثيوبي، شأنه شأن الشعب المصري وسائر شعوب القارة، له الحق في التنمية والازدهار وتحسين مستوى المعيشة.

 

غير أن هذا الحق، في الوقت ذاته، لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للمساس بحقوق شعوب أخرى أو تهديد أمنها المائي.

 

_بين التنمية وضرورات الأمن القومي_

 

تزداد القضية تعقيدًا عندما تنتقل من نطاق التنمية إلى نطاق الأمن القومي.

 

فمصر، بحكم طبيعتها الجغرافية واعتمادها الكبير على نهر النيل، تتعامل مع المياه باعتبارها مسألة وجودية. ومن ثم فإن حماية الموارد المائية لا يمكن فصلها عن حماية الدولة ومقدراتها ومستقبل أجيالها.

 

وفي المقابل، فإن إثيوبيا تنظر إلى مشروع السد باعتباره أحد مشروعاتها الرئيسية المرتبطة بالتنمية، وهو ما يجعل الوصول إلى نقطة توازن بين الرؤيتين أمرًا بالغ الأهمية.

 

وهنا يصبح التحدي الحقيقي هو كيفية بناء إطار مستدام لإدارة النهر يضمن التنمية من جهة، ويحافظ على حقوق دول المصب من جهة أخرى.

 

فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بفرض إرادة طرف على طرف آخر، وإنما من خلال قواعد واضحة وملزمة تضمن عدم الإضرار، وتحدد آليات التشغيل والتعامل مع فترات الجفاف والجفاف الممتد، وتوفر آليات للتنسيق وتبادل البيانات والتعامل مع الظروف الاستثنائية.

 

_مصر وقوة السلام_

 

ارتبطت السياسة المصرية، وفق الرؤية التي يعبر عنها هذا الطرح، بمبدأ أساسي يتمثل في أن القوة لا تكون هدفًا في حد ذاتها، وإنما وسيلة لحماية الحقوق عندما تفشل الوسائل الأخرى.

 

ولهذا كان اللجوء إلى الدبلوماسية والتفاوض هو المسار الأول، باعتبار أن السلام يظل الخيار الأفضل للشعوب والدول.

 

لكن مفهوم السلام لا يعني التخلي عن الحقوق، كما أن ضبط النفس لا يعني غياب القدرة على حماية المصالح الوطنية.

 

فالدولة التي تسعى إلى السلام تحتاج في الوقت ذاته إلى امتلاك عناصر القوة التي تضمن حماية أمنها القومي، لأن السلام المستدام لا يقوم فقط على الرغبات، وإنما يحتاج أيضًا إلى توازن في المصالح والقدرات والالتزامات.

 

ومن هذه الزاوية يمكن فهم استمرار مصر في إعطاء الأولوية للمسار الدبلوماسي باعتباره محاولة لتجنب الحرب، وليس باعتباره تنازلًا عن الحقوق أو قبولًا بأي إجراءات يمكن أن تمس أمنها المائي.

 

_القوة الرادعة كخيار أخير_

 

وفي الطرح الوارد، فإن امتناع مصر حتى الآن عن استخدام القوة لا ينبغي تفسيره باعتباره ضعفًا، وإنما باعتباره تعبيرًا عن تفضيل المسار السياسي والدبلوماسي على المواجهة العسكرية.

 

فالحروب، مهما كانت دوافعها، تحمل تكاليف ضخمة على الشعوب والدول، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الأطراف المباشرة للنزاع.

 

ومن ثم فإن القوة العسكرية، في هذا التصور، تظل خيارًا أخيرًا وليس خيارًا أوليًا، ولا يمكن اللجوء إليها إلا في حال انهيار جميع المسارات الأخرى ووصول التهديد إلى مستوى يمس بصورة مباشرة الأمن القومي والمصالح الحيوية للدولة.

 

وهنا تبرز أهمية الردع؛ فالردع لا يعني بالضرورة الدخول في حرب، وإنما يعني امتلاك القدرة التي تمنع الآخرين من الاعتقاد بأن المساس بالمصالح الحيوية للدولة يمكن أن يتم دون تكلفة.

 

_الحق المائي والمسؤولية التاريخية_

 

إن قضية سد النهضة في جوهرها ليست مجرد خلاف فني حول كميات المياه أو سنوات الملء والتشغيل، وإنما هي قضية تتداخل فيها اعتبارات القانون والسياسة والجغرافيا والأمن والتنمية.

 

كما أنها اختبار حقيقي لقدرة دول حوض النيل على الانتقال من منطق الصراع حول الموارد إلى منطق الإدارة المشتركة والمسؤولية المشتركة.

 

فالنهر الذي يجمع دولًا متعددة لا ينبغي أن يتحول إلى سبب دائم للصراع بينها، بل يمكن أن يكون أساسًا للتعاون والتكامل إذا توافرت الإرادة السياسية والقواعد العادلة والشفافية وتبادل المعلومات والالتزام بعدم الإضرار.

 

ومن هنا فإن مستقبل قضية سد النهضة لا ينبغي أن يُختزل في سؤال: من ينتصر ومن يخسر؟ وإنما في سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن حماية حق مصر المائي، مع ضمان حق الشعب الإثيوبي في التنمية، ومنع تحول المياه إلى سبب لصراع طويل الأمد في القارة الأفريقية؟

 

_مصر بين ضبط النفس وحماية الحقوق_

 

على مدار مراحل الأزمة، ظلت مصر تؤكد أن الحفاظ على الحقوق المائية لا يتعارض مع دعم التنمية، وأن احترام حقوق الشعوب يجب أن يكون قاعدة حاكمة للعلاقات بين دول المنطقة.

 

وفي الوقت نفسه، فإن الأمن المائي المصري يمثل قضية لا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفًا تفاوضيًا عابرًا، لأن آثار أي خلل كبير في الموارد المائية يمكن أن تمتد إلى الزراعة والغذاء والصناعة والطاقة والسكان والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي.

 

ومن ثم فإن حماية النيل ليست مسؤولية سياسية فقط، وإنما مسؤولية وطنية واستراتيجية طويلة الأمد.

 

وتحتاج هذه المسؤولية إلى مزيج من الدبلوماسية والقانون والتعاون الإقليمي والتخطيط المائي وإدارة الموارد وتعظيم كفاءة استخدام المياه، إلى جانب الحفاظ على قدرة الدولة على حماية مصالحها الحيوية بكل الوسائل المشروعة التي يكفلها القانون الدولي.

 

_النيل .. قضية وطن ومستقبل_

 

في النهاية، يبقى نهر النيل أحد أهم مرتكزات الدولة المصرية، وأمنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن مصر واستقرارها ومستقبل أجيالها.

 

ولذلك فإن التعامل مع قضية سد النهضة يحتاج إلى رؤية متكاملة لا تكتفي بردود الفعل، وإنما تجمع بين التفاوض والدبلوماسية، والتحرك القانوني، والتعاون الأفريقي، وتعزيز القدرات الوطنية في إدارة المياه، والحفاظ على الحقوق والمصالح الحيوية للدولة.

 

كما أن احترام حق الشعب الإثيوبي في التنمية ينبغي ألا يكون موضع خلاف، تمامًا كما يجب احترام حق الشعب المصري في الأمن المائي.

 

والقاعدة التي يمكن أن تؤسس لعلاقة مستقرة بين دول حوض النيل هي أن التنمية لا تكون على حساب الحياة، وأن حق دولة في استثمار مواردها لا ينبغي أن يتحول إلى انتقاص من حقوق دول أخرى، وأن التعاون يظل الطريق الأكثر قدرة على تحويل النهر من مصدر للتوتر إلى جسر للتنمية المشتركة.

 

وتظل مصر، بما تملكه من ثقل تاريخي وجغرافي وسياسي، أمام مسؤولية الحفاظ على أمنها المائي، مع الاستمرار في دعم الحلول السلمية والدبلوماسية ما دامت قادرة على تحقيق الحقوق والمصالح المشروعة.

 

وفي جميع الأحوال، فإن وعي الشعب المصري وتماسك الدولة وقدرتها على إدارة مواردها وحماية مصالحها يمثلون عناصر أساسية في مواجهة تحديات الأمن المائي، بما يضمن — بعون الله — أمن مصر واستقرارها ويحفظ حق الأجيال القادمة في مياه النيل.

زر الذهاب إلى الأعلى