الصين تضغط على واشنطن بالمعادن النادرة وإيران تلوّح بورقة هرمز.. هل بدأت مرحلة جديدة من الصراع الاقتصادى؟

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وخصومها تدار فقط عبر حاملات الطائرات والصواريخ والعقوبات التقليدية بل انتقلت بصورة متزايدة إلى ساحة الاقتصاد وسلاسل الإمداد والموارد الاستراتيجية.
ففي الوقت الذى تصعّد فيه إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ضغوطها الاقتصادية على إيران وتلوّح بعقوبات ثانوية ضد الأطراف التي تواصل التعامل مع طهران، تبدو الصين مستعدة لاستخدام واحدة من أقوى أوراقها الاقتصادية: المعادن الحيوية والمعادن النادرة.
وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قد أعلن في أغسطس الماضي حملة أمريكية موسعة تستهدف الأنشطة المرتبطة بالاقتصاد الإيرانى مع تحذيرات من توسيع نطاق العقوبات على الجهات الأجنبية التي تساعد طهران.
لكن التطورات الأخيرة تكشف أن سلاح العقوبات يمكن أن يتحول إلى سلاح ذى حدين.
فبحسب تقارير حديثة، بدأت شركات صينية متخصصة في المعادن النادرة تعليق بعض شحناتها إلى شركات أمريكية، رغم امتلاك بعض المستوردين تراخيص تصدير، وسط مخاوف من تداعيات الإجراءات الصينية والعقوبات المتبادلة. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن بعض المعادن الحيوية تدخل في صناعات عسكرية وفضائية وإلكترونية وأشباه الموصلات.
وهنا تظهر واحدة من أكثر نقاط الضعف حساسية بالنسبة للولايات المتحدة.
فالصراع على المعادن النادرة ليس مجرد خلاف تجاري؛ إنه صراع على القدرة الصناعية والتكنولوجية والعسكرية. وأي اضطراب طويل في إمدادات مواد أساسية يمكن أن يرفع تكاليف الإنتاج ويؤخر التصنيع ويضغط على قطاعات تعتمد على سلاسل توريد عالمية معقدة.
ومن ثم فإن استخدام الصين لهذه الورقة يمكن أن يمثل رسالة واضحة إلى واشنطن:
إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع استخدام الدولار كسلاح للضغط على خصومها، فإن الصين تمتلك بدورها أوراقًا استراتيجية يمكن أن تستخدمها في سلاسل الإمداد العالمية.
وفي المقابل، تمتلك إيران ورقة مختلفة تمامًا تتمثل في الطاقة ومضيق هرمز.
فالمضيق يمثل أحد أهم الممرات البحرية المرتبطة بتجارة النفط العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب مستمر في حركة الملاحة عبره يمكن أن ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة والتجارة الدولية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن ملف هرمز أصبح جزءًا أساسيًا من المواجهة الأمريكية الإيرانية، بالتزامن مع التصعيد الاقتصادي والعسكري.
وهنا يمكن فهم الصورة الأوسع.
واشنطن تضغط عبر الدولار والعقوبات.
بكين تستطيع الضغط عبر التجارة وسلاسل الإمداد والمعادن الحيوية.
وطهران تمتلك ورقة الطاقة وموقعها الجغرافي على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وبذلك تتحول المواجهة من صراع مباشر بين دولتين إلى شبكة واسعة من الضغوط الاقتصادية والاستراتيجية المتبادلة.
لكن القول إن “عصر الهيمنة الاقتصادية الأمريكية انتهى” قد يكون مبالغًا فيه إذا قُدم باعتباره حقيقة محسومة؛ فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك نفوذًا ماليًا هائلًا من خلال الدولار والنظام المالي العالمي. وفي الوقت نفسه، تكشف التطورات الحالية أن استخدام هذا النفوذ يواجه حدودًا عندما يصطدم بمصالح قوى اقتصادية كبرى مثل الصين.
المشكلة الحقيقية أمام واشنطن ليست فقط في العقوبات التي تستطيع فرضها، وإنما في قدرتها على فرضها من دون دفع خصومها وحلفائها إلى بناء بدائل للنظام الاقتصادي الذي تقوده.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة التصعيد.
فكلما توسعت العقوبات، زادت الحوافز أمام الدول المتضررة للبحث عن بدائل في التجارة والعملات وسلاسل الإمداد ومصادر الطاقة.
ومع استمرار التوتر بين واشنطن وبكين وطهران، قد نشهد عالمًا اقتصاديًا أكثر انقسامًا، تتراجع فيه قدرة طرف واحد على التحكم الكامل في حركة التجارة والطاقة والموارد الاستراتيجية.
المعركة إذن لم تعد فقط:
من يملك القوة العسكرية الأكبر؟
بل أصبحت أيضًا:
من يستطيع تحمل الحصار الاقتصادي لفترة أطول؟
ومن يستطيع أن يضغط على خصمه دون أن يدفع ثمنًا أكبر؟
وهنا قد تكون المعادن النادرة بالنسبة للصين، ومضيق هرمز بالنسبة لإيران، والدولار والعقوبات بالنسبة للولايات المتحدة، ثلاث أوراق رئيسية في واحدة من أخطر المواجهات الاقتصادية والاستراتيجية في العالم.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن:
هل تستطيع واشنطن إجبار الصين وإيران على التراجع؟ أم أن الضغط الأمريكي المتزايد سيدفع خصومها إلى استخدام أوراقهم الاقتصادية والجيوسياسية بأقصى قوة؟








