مقالات

عبدالحى عطوان يكتب : حين تصبح الكاميرا هي المشكلة.. من يحاسب التجاوزات ويعيد للمواطن حقه؟

حجم الخط:
في زمن أصبحت فيه الكاميرا في يد كل مواطن، لم يعد من الممكن التعامل مع المشكلات الخدمية بمنطق إغلاق الأبواب أو منع التصوير، وكأن المشكلة الحقيقية هي في الصورة التي قد تنتشر، لا في المشهد الذي دفع المواطن إلى إخراج هاتفه وتصويره.
السؤال هنا ليس: لماذا يصور المواطن؟
السؤال الأهم: لماذا وصل المواطن إلى مرحلة يشعر معها أنه يحتاج إلى التصوير حتى يسمعه أحد؟ هذه هي النقطة التي تستحق التوقف أمامها.
فالمواطن الذي يقف أمام موظف في مصلحة حكومية لا يذهب بحثًا عن مشكلة، وإنما يذهب بحثًا عن حق، أو معاش، أو مستحقات، أو إنهاء إجراء ظل ينتظره طويلًا. وعندما يجد نفسه أمام تأخير أو تعقيد أو معاملة لا تليق، يصبح الأمر أكبر من مجرد «تصوير ممنوع».
من هنا جاءت العبارة التي تلخص جوهر الأزمة: «المطلوب ليس منع تصوير المشكلة.. وإنما منع استمرار المشكلة».وهي عبارة لا تخص التأمينات وحدها، بل تصلح قاعدة للتعامل مع كل مرفق يقدم خدمة مباشرة للمواطن.
المؤسسات الناجحة لا تخشى من المواطن الذي يشكو، ولا تعتبر النقد تهديدًا، لأن الشكوى في أحيان كثيرة تكون أقصر طريق لاكتشاف الخلل. فالمواطن عندما يشتكي يخبر المسؤول بما قد لا يصل إليه عبر التقارير الرسمية.وعندما يصور واقعة، فهو في بعض الأحيان يوثق شيئًا يرى أنه لم يجد له استجابة بالطرق التقليدية.
وهنا تصبح المسؤولية الحقيقية على الإدارة: أن تبحث في أصل المشكلة، وأن تعرف لماذا حدثت، ومن المسؤول عنها، وكيف لا تتكرر.أما الاكتفاء بمنع التصوير، فهو يعالج الصورة ويترك السبب.
المواطن لا يريد أن يدخل في مواجهة مع الموظف، ولا يريد أن يقف أمام مكاتب حكومية لساعات، ولا يريد أن يكرر شكواه عشرات المرات.هو يريد شيئًا بسيطًا للغاية: أن يحصل على حقه.
ولهذا فإن الحديث عن المواطنين الذين تم حذفهم أو إيقاف مستحقاتهم والمتأخرات الخاصة بهم يجب أن يكون حديثًا عن حلول ومواعيد وإجراءات واضحة، لا عن دوائر جديدة من الانتظار.
حين يتأخر حق مالي لمواطن يعتمد عليه في حياته، فإن المسألة بالنسبة إليه ليست مجرد رقم في ملف، وإنما احتياج يومي والتزام وأسرة وحياة كاملة.
التحول الرقمي.. هل وصل إلى المواطن؟
الدولة قطعت خطوات واسعة في طريق التحول الرقمي والميكنة، لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد تشغيل النظام الإلكتروني.
فالنجاح لا يقاس فقط بأن المؤسسة أصبحت «رقمية»، وإنما بأن المواطن أصبح أكثر راحة وأقل انتظارًا وأسرع حصولًا على حقه.
إذا ظلت الإجراءات معقدة، والانتظار طويلًا، والشكاوى بلا إجابات، فإن التكنولوجيا لم تحقق كامل هدفها.
الميكنة يجب أن تجعل المواطن يشعر بالفارق، لا أن يسمع فقط عن الفارق.
المسؤولية تبدأ من مواجهة الخلل
وهنا يجب أن تتحول اى واقعة عابرة إلى سؤال إداري عام: كيف نريد للمواطن أن يتعامل مع مؤسسات الدولة؟
الإجابة يجب أن تكون واضحة: نريده أن يثق، وأن يجد من يسمعه، وأن يحصل على حقه، وأن يرى الشكوى وسيلة للإصلاح وليست سببًا للعقاب أو التضييق.
أما التجاوز الحقيقي، فيجب أن تتم مواجهته أينما وجد، وبغض النظر عن كون المواطن قد صوره أم لا. لأن المشكلة لا تختفي عندما تختفي الكاميرا. والتجاوز لا ينتهي عندما يتوقف التصوير. والشكوى لا تصبح أقل أهمية إذا لم تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي.
الخلاصة …الحل الحقيقي أن تختفي المشكلة نفسها. وهنا تحديدًا تكمن قيمة الرسالة لا تنشغلوا بمنع المواطن من تصوير المشهد، بل انشغلوا بألا يجد المواطن أصلًا مشهدًا يستدعي التصوير.
وفى النهاية : المؤسسة التي تقدم خدمة جيدة لا تخشى الكاميرا، لأنها ببساطة لا تملك ما تخفيه.، يبقى معيار النجاح بسيطًا جدًا وهو هل عاد المواطن إلى منزله وهو يحمل حقه.. أم عاد وهو يحمل شكوى جديدة؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يشغل كل مسؤول عن خدمة المواطن
زر الذهاب إلى الأعلى