مقالات

عبدالحى عطوان يكتب: قراءة في جريمة سوهاج.. حين يتحول القاتل إلى «بطل»

حجم الخط:
بين الشرف والقانون والوعي.. ماذا كشفت تعليقات مواقع التواصل في سوهاج؟
لم تكن الجريمة التي شهدتها سوهاج أمس مجرد واقعة قتل انتهت بسقوط ثلاثة أشخاص، بينهم زوجة المتهم وشابان؛ فبحسب ما نشرته وسائل إعلام، وقعت الجريمة بمنطقة مساكن الشوش التابعة لمركز سوهاج، وأُلقي القبض على المتهم، بينما تتولى جهات التحقيق كشف ملابسات الواقعة ودوافعها.
لكن الأخطر من الجريمة نفسها اجتماعيًا كان ما حدث بعدها.
فما إن انتشرت التفاصيل على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى انقسم الناس إلى فريقين: فريق يرى في المتهم رجلًا «دافع عن شرفه»، وذهب هذا الفريق إلى حد الفخر بما فعله، وفريق آخر رفض تمامًا تحويل القتل إلى بطولة، مؤكدًا أن مصر دولة قانون، وأن أحدًا لا يملك أن يتحول في لحظة غضب إلى خصم وقاضٍ وجلاد.
وهنا تحديدًا تبدأ القضية التي تستحق النقاش.
وهنا نحن لا نحاكم الرجل بل نحاكم الفكرة
فلسنا جهة تحقيق، ولا نملك ملف القضية، وما يُنشر عن الدوافع يظل خاضعًا لما ستنتهي إليه التحقيقات والقضاء. بعض التقارير تحدثت عن دافع متعلق بالشرف، لكن الكلمة الأخيرة ليست لمنشور على «فيسبوك» ولا لرواية متداولة في الشارع، وإنما للتحقيق والمحكمة.
لذلك فالسؤال هنا: هل نتعاطف مع غضب إنسان شعر بالخيانة أو الإهانة؟
المشاعر الإنسانية يمكن فهمها، والغضب يمكن تفسيره، والصدمة قد تفقد الإنسان قدرًا من اتزانه؛ لكن فهم الدافع شيء، وتحويل القتل إلى قيمة اجتماعية تستحق التصفيق شيء آخر تمامًا.
حين نصف القاتل بأنه «بطل» لمجرد أنه قال إنه دافع عن شرفه، فنحن لا نناقش واقعة فردية فقط، بل نزرع في وعي آلاف الشباب فكرة شديدة الخطورة: أن الغضب يمنح صاحبه حق تنفيذ العقوبة بنفسه.
ولو قبلنا هذه القاعدة، فما الذي يمنع غدًا شخصًا من قتل جاره دفاعًا عن أرض يعتقد أنها حقه؟ أو آخر من قتل خصمه بسبب ميراث؟ أو ثالث من إطلاق النار بسبب ثأر؟ أو رابع من الاعتداء على إنسان لمجرد الشك؟
إذا أصبح كل إنسان قاضيًا في قضيته، فلن نكون أمام مجتمع يحكمه القانون، وإنما أمام غابة يحكمها الأقوى والأسرع إلى السلاح.
وهنا يجب السؤال ماذا يقول القانون؟
القانون المصري نفسه يفرق بين الشعور بالغضب وبين إباحة القتل. فالمادة 237 من قانون العقوبات تتناول حالة محددة للغاية، هي أن يفاجئ الزوج زوجته حال تلبسها بالزنا وأن يقع القتل في الحال؛ وفي هذه الحالة قرر المشرع عقوبة مخففة بالحبس بدلًا من العقوبات المقررة في مواد أخرى. وهذا النص لا يعني أن «الدفاع عن الشرف» أصبح ترخيصًا مفتوحًا للقتل، بل وضع المشرع شروطًا محددة لحالة بعينها.
وهنا فارق جوهري يجب أن يفهمه الناس: تخفيف العقوبة في ظرف قانوني استثنائي لا يعني إباحة الفعل، ولا يحول الجريمة إلى بطولة، ولا يمنح المجتمع حق منح صكوك البراءة عبر مواقع التواصل.
أما انطباق هذا النص أو غيره على واقعة سوهاج تحديدًا، فهذه مسألة قانونية تتوقف على الوقائع والأدلة والتحقيقات، ويقررها القضاء وحده.
وهنا يجب أن نؤكد على معنى مهم الشرف لا تحميه الفوضى نعم، الخيانة إن ثبتت موجعة، وانهيار بيت وأسرة قد يصنع داخل الإنسان زلزالًا نفسيًا لا يشعر به إلا صاحبه.
لكن المجتمع لا يستطيع بناء قوانينه على لحظة الغضب.
الحضارة بدأت يوم تنازل الإنسان عن حقه في الانتقام الشخصي لصالح الدولة، فأصبحت هناك شرطة تحقق، ونيابة تتهم، ومحكمة تفصل، وقاضٍ يصدر الحكم.
هذه ليست إجراءات بيروقراطية باردة، وإنما الحاجز الذي يفصل الدولة عن الغابة.
ولهذا فإن الدفاع الحقيقي عن المجتمع لا يكون بتجميل الجريمة، وإنما بترسيخ قاعدة بسيطة: لك حقك كاملًا في الشكوى، والانفصال، والطلاق، واللجوء إلى القضاء، والمطالبة بحقك، لكن ليس من حقك أن تقرر وحدك أن إنسانًا يستحق الموت ثم تنفذ الحكم.
وما رصدته أمس عبر التعليقات يمثل فى وجهة نظرى وانا المعنى بقضية الوعى هو الأخطر.. «الفخر المؤقت» فالمثير للقلق أن بعض التعليقات لا تكتفي بتفهم الحالة النفسية للمتهم، وإنما تزهو بالفعل ذاته.
وهذا فخر زائف ومؤقت.
لأن الذين يكتبون اليوم من خلف شاشاتهم «برافو» لن يعيشوا غدًا داخل زنزانة، ولن يقفوا أمام المحكمة، ولن يتحملوا النتائج الاجتماعية والنفسية والقانونية التي ستلاحق أسرة كاملة سنوات طويلة.
الكلمة على مواقع التواصل مجانية، أما ثمن الفعل على الأرض فقد يكون عمرًا كاملًا.
ولهذا يجب أن نتوقف عن صناعة الأبطال من المآسي.
ومن وجهة نظرى اخطر معارك مصر القادمة هي معركة الوعي وأظن أن هذه الواقعة تكشف عن قضية أكبر بكثير من جريمة واحدة. نحن مقبلون على عصر يصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج صورة وفيديو وصوت ونص خلال ثوانٍ، وعلى جعل الأكاذيب أكثر إقناعًا، والشائعات أسرع انتشارًا، والمشاعر أكثر قابلية للاستثارة.
فإذا كنا اليوم نطلق الأحكام ونطالب بالقتل أو نصفق له استنادًا إلى منشور أو رواية لم تكتمل تحقيقاتها، فماذا سنفعل غدًا عندما يستطيع شخص أن يصنع مقطعًا مزيفًا شديد الإقناع لزوجة أو زوج أو مسؤول أو مواطن عادي؟
وهنا تصبح المسألة قضية أمن مجتمعي فالذكاء الاصطناعي لن يكون الخطر في ذاته؛ الخطر الحقيقي هو عقل يستقبل ما تنتجه التكنولوجيا بلا تحقق، ثم يبني عليه حكمًا أو كراهية أو انتقامًا.
وقد يصبح السؤال في السنوات المقبلة ليس فقط: ماذا شاهدت؟
وإنما: هل ما شاهدته حدث أصلًا؟
قبل أن تضغط «مشاركة»
علينا أن نعلم أبناءنا أن الشرف قيمة، لكن حياة الإنسان قيمة أيضًا، وأن الرجولة ليست في سرعة الانتقام، وإنما في القدرة على ضبط النفس والاحتكام إلى القانون.
وأن من حقك أن تغضب، لكن ليس من حقك أن تقتل.
ومن حقك أن ترفض الخيانة، لكن ليس من حقك أن تتحول إلى محكمة متنقلة.
ومن حقك أن تطالب بأقصى عقوبة لمن ظلمك، لكن الذي يحدد الجريمة ويصدر العقوبة هو القضاء.
جريمة سوهاج سوف تنتهي يومًا بحكم قضائي، لكن السؤال الأهم سيظل قائمًا: ماذا فعلت الجريمة في وعينا؟
إذا خرجنا منها ونحن نصفق للدم، فقد خسرنا معركة أخطر من الواقعة نفسها.
أما إذا خرجنا منها مدركين أن الدولة وحدها صاحبة الحق في تطبيق القانون، وأن الشائعة ليست دليلًا، وأن الغضب ليس حكمًا، وأن مواقع التواصل ليست محكمة، فقد نكون حولنا مأساة مؤلمة إلى درس يحتاجه مجتمع كامل.
وفى النهاية …الدول لا تُبنى فقط بالطرق والمصانع والمدارس.. الدول تُبنى أيضًا بعقل المواطن الذي يعرف أن بين الغضب والجريمة مساحة اسمها القانون، وبين الشائعة والحقيقة مساحة اسمها الوعي.
زر الذهاب إلى الأعلى