مشيخة الطريقة البودشيشية.. شهادة أرملة الشيخ تزيد الشك حول الوصية ولا تؤكدها

ظهرت شهادة أرملة الشيخ الراحل جمال الدين القادري بودشيش، وحاول البعض استغلالها بلغة احتفالية صاخبة، واصفا إياها بأنها «شهادة تاريخية حاسمة»، ويزعمون أنها «تقطع الشك باليقين»، وتحسم بصورة نهائية قضية انتقال سر الطريقة ومشيختها.
لكن بعيدًا عن ضجيج العناوين، فإن هذه الشهادة، بدل أن تغلق باب الأسئلة، فتحت أبواباً أوسع وأخطر:
أولاً، أين الوصية التي كتبها الشيخ بيده؟
يقال إن سيدي جمال كتب وصيته بيده، وإن أرملته عاينته وهو يخطها بيمينه وفي كامل قواه العقلية. فأين هي الورقة التي كتبها الشيخ بيده؟
نريد أن نقرأ عباراته بخط يده، لا أن نقرأ ما قيل إنه قاله. ونريد أن نعرف تاريخها وسياقها ومضمونها، والعبارة التي يُستدل بها تحديدًا على انتقال «سر الطريقة».
أما أن يقال: «هناك وصية، وقد عاينت الشاهدة الشيخ وهو يكتبها»، ثم يُطلب من الناس أن يبنوا عليها أخطر استنتاج في تاريخ الطريقة، فهذا ليس توثيقًا للحقيقة، بل مطالبة للناس بالإيمان بدليل لم يروه.
ثانياً، هل اطلع الشهود أصلًا على ما كان سيدي جمال يكتبه؟
فالشيخ كان يكتب بيده، وهذه حقيقة يعرفها من عاشره. فلماذا تُستبدل كتابته الأصلية بنصوص مكتوبة بالحاسوب، في غياب الشهود؟
ومن كتب هذه النصوص؟ ومتى كُتبت؟ وعن أي أصل نُقلت؟ ومن الذي قابلها بالأصل؟ وهل النص الذي بين أيدي الناس هو حرفيًا ما كتبه الشيخ، أم هو إعادة صياغة لمضمون يُقال إنه كان مكتوبًا؟
كل هذه الأسئلة مشروعة، بل هي واجبة عندما يراد تحويل ورقة مجهولة الأصل، أو نص منقول دون حضور الشهود، إلى حجة نهائية في قضية المشيخة.
ثالثًا: هل كون الوثيقة «موثقة» يعني أن مضمونها «ثبت»؟
هنا يقع المحتجون بالوثيقة في مغالطة جوهرية؛ فكون التصريح قد جرى توثيقه لا يعني أن كل واقعة وردت فيه أصبحت حقيقة تاريخية قطعية.
فقد يثبت التوثيق أن فلانة قالت إنها رأت كذا وسمعت كذا، لكن يبقى السؤال: هل ما رأته وسمعته قد وقع بالفعل بالصورة التي ترويها؟ وهذا فرق يعرفه كل من له أدنى دراية بمنهج التوثيق.
فالتوثيق يثبت أنها قالت ذلك، لكنه لا يثبت بالضرورة أن ما قالته هو عين ما وقع، ولا أن ما كان يقوم به الشيخ هو فعلًا ما فهمته أو اعتقدته.
رابعاً، أخطر ما في الرواية، قولها أنها: «سمعت مباشرة من سيدي الحاج العباس»؟
لا تكتفي السيدة لالة فتيحة بالقول إنها عاينت زوجها سيدي جمال وهو يكتب وصيته، وإنما تقول أيضًا إنها سمعت مباشرة من سيدي الحاج العباس ما يفيد أن مولاي منير هو وارث سر الطريقة.
وهنا ينبغي أن يتوقف كل منصف ويسأل: إذا كان سيدي جمال زوجها، وكان هو المعني المباشر بالموضوع، فلماذا لم يكن ينقل هذا الكلام بهذه الصورة؟ بل كان ينقل كلام جده سيدي الحاج العباس عن أبيه سيدي حمزة.
والأخطر من ذلك أن سيدي حمزة نفسه، ظل يردد أمام مريديه بأن سيدي الحاج العباس لم يُخبره بأن مولاي منير هو وارث المشيخة بعد أبيه، وقد سمع ذلك عدد من المريدين على امتداد سنوات.
ثم جاءت رواية لاحقة للسيدة لالة فتيحة تنسب إلى سيدي الحاج العباس ما يخالف هذا المعنى.
فنحن إذن أمام تعارض صريح في الروايات، وأمام تعارض كذلك مع ما نُقل عن العدول الذي عاينوا سيدي جمال وهو يمتنع عن توقيع ما نُسب إليه من الوصايا؟
فمن نصدق؟ وأي الروايتين أقوى؟
فهذه الشهادة، بهذه الصورة، لا تحسم شيئًا، ولا تنهض وحدها دليلًا قاطعًا. ومجرد صدورها عن السيدة لالة فتيحة لا يجعلها بمنأى عن الفحص والمقارنة. وهنا يجب التفريق بين احترام الشخص وحجية قوله.
فنحن لا نتعرض للسيدة بشخصها، ولا نطعن في ذمتها، ولا ننسب إليها ما لا نعلمه، وإنما نسأل سؤالًا علميًا مشروعًا: ما القيمة الإثباتية لشهادة منفردة في قضية بهذه الخطورة، خصوصًا إذا كانت تتعارض مع روايات الشيوخ أنفسهم؟
خامساً، هل تجوز شهادة امرأة منفردة شرعا وقانونا؟
إن الاستناد إلى قواعد الشهادة الشرعية تقتضي أن تكون الشهادة برجل وامرأتين، وهذا نص محكم لا يقبل التأويل. وبالتالي، لا يصح أن تُرفع شهادة فرد واحد إلى مرتبة «الحقيقة التاريخية الحاسمة» بمجرد تسميتها شهادة موثقة.
*خلاصة*
إن الضجيج الإعلامي لا يحوّل شهادةً فردية إلى حقيقة تاريخية، ولا يمنحها من القوة ما لم تمنحها الأدلة والوثائق. فالقضية ليست مسألة انطباعات أو روايات عائلية، وإنما تتعلق بانتقال سرّ مشيخة طريقة عريقة، وهو أمر يحتاج في إثباته إلى شاهد الحال، في الظاهر والباطن، لمدعي المشيخة، وإلى شهادة من عاين سلوكه واطّلع على أحواله، لا إلى شهادة عاطفية منفردة، مهما كان صاحبها محل احترام.
فالسؤال الجوهري ما يزال قائمًا: أين الوثيقة الأصلية بخط الشيخ؟ وأين الشهود الذين اطّلعوا عليها؟ وما مدى مطابقة النص المتداول لما كتبه فعلًا؟ وكيف تُرجَّح رواية واحدة إذا كانت تتعارض مع ما نُقل عن الشيوخ أنفسهم على مدى سنوات؟ وتتعارض كذلك مع ما نُقل عن العدول أنفسهم؟
إن توثيق شهادة شخص يثبت صدور الكلام عنه، لكنه لا يحوّل مضمون ذلك الكلام تلقائيًا إلى واقعة تاريخية قطعية. واحترام الشاهدة لا يعني تعطيل حق الناس في الفحص والمقارنة وطلب الدليل؛ فالأشخاص يُحترمون، أما الوقائع فتُثبت بالحجج.








