شئون دولية
الناتو فى زمن «أمريكا أولًا».. تحولات واشنطن تعيد رسم مستقبل التحالف الغربى

حجم الخط:
من جديد تجتمع دول حلف الناتو فى لحظة تاريخية فارقة للأمن العالمى وسط تغيرات جوهرية فى الرؤية الاستراتيجية الأمريكية للحلف العســكرى الغربى مع رغبة الإدارة الأمريكية الحالية فى تغيير محورى لأولويات الأمن الأمريكى والدور العسكرى للتحالفات ولأهمية أوروبا ذاتها.
وجاءن القمة فى تركيا فى ظل تأثير الحـــرب الإيرانية على المنطقة وبالتالى على نظرة ترامب للتحالف العسكرى خاصة أن ترامب يريد من فترة إعادة تشكيل الناتو بمنطق جديد كما عبر عنه من قبل حيث يسعى لاستبدال منطق الصفقات بدلاً عن القيم الديمقراطية المشتركة!.
عشان كده نقدر نقول بيواجه حلف شمال الأطلسى حالياً مرحلة حرجة من تغير السياق التاريخى الذى نشأ منه الحلف فى السابق.
خاصة وإحنا قصاد نظام عالمى جديد ومتغير عن ما سبق، والكلام دلوقتى عن تفكيك الحلف أو تقليص الدور الأمريكى داخل الناتو مش مجرد فرضيات أو تحليلات نظرية ده أمر واقع جديد معلن عنه من توجهات جديدة للإدارة الأمريكية.
تحول التوجه لنقاش استراتيجي جاد تغذيه تحولات السياسة الخارجية الأمريكية وضغوط إعادة توزيع النفوذ العالمي.
ومع تحولات الدور الأمريكى ضد الناتو بشكل مكرر فى تصريحات ترامب الذى يقول بأن الحلف مكلف مادياً وتسليحياً للولايات المتحدة بلا عائد مناسب للتأثير والقوة خاصة بعد رفض الناتو المشاركة المباشرة فى الحـــرب الإيرانية بجانب الجيش الأمريكى وده اللي ساهم فى تقوية موقف ترمب مؤخراً ضد حلف شمال الأطلسى.
ده غير طبعا رغبة إدارة ترامب فى الانسحاب الكامل من دعم حـــرب أوكرانيا بينما يكافح الناتو ودوله الأوروبية لدعم أوكرانيا بكل شىء ضد روسيا.
وعشان كده بتشوف تقارير تحليل إستراتيجى فى إعلام الولايات المتحدة بتتكلم بوضوح عن تغيير العقيدة الأمنية والسياسية لواشنطن اللى بتشهد تحول جذرى برجماتى بتبنى إستراتيجية الإنكفاء والتراجع.
و تعمل الإدارة الأمريكية بقيادة ترمب بنبرة حادة وعلنية ضد الحلفاء الأوروبيين واصفة الحلف أحياناً بأنه نمر من ورق أو علاقة من طرف واحد وتشترط واشنطن استمرار مظلتها الأمنية برفع الحلفاء لإنفاقهم الدفاعى بشكل فورى وملموس وده هيكون محور الأحاديث الحالية لترمب داخل القمة فى تركيا.
لأن ترامب يسعى بجدية لتحويل كل مايخص توجهات وقيادة الناتو لصالح خدمة توجهات واشنطن مع دفع الاتحاد الأوروبى لقيادة الخطوط الأمامية للدفاع عن نفسها بدلاً من استدعاء الجيش الأمريكى والسلاح الأمريكى نيابة عنهم.
ومع تغيير استراتيجيات الأمن القومى الأمريكية الأخيرة لم تعد القارة الأوروبية لها الأولوية المطلقة فى السياسة الخارجية الأمريكية بل تحولت الأنظار الأمريكية بشكل مكثف نحو شقها اللاتينى والشمال الأمريكى مثل فنزويلا و المكسيك وكندا وكوبا ونصف الكرة الغربى ومنطقة المحيطين الهندى والهادئ لمواجهة النفوذ الصينى بالإضافة إلى بؤر التوتر المستجدة في الشرق الأوسط (مثل أمن الممرات المائية كمضيق هرمز) ومناطق النفوذ الأفريقى خاصة أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
لكن رغم كل ماسبق من تغيرات لا يمكن أن تتخلى الولايات المتحدة عن الناتو وحليفها الأوروبي بشكل كامل خاصة مع بقاء ركن أساسى لتحجيم القدرات الروسية الطموحة ضد الغرب دائماً.
ومع التحديات الجديدة يحاول الأوروبيين الخلاص من الضغط الأمريكى على قرارهم ومقدراتهم ويفكرون علناً فى ذلك بصياغة جديدة للناتو أو تحويله لحلم جديد يجمع القارة العجوز ضمن دفاع مشترك لقيم واحدة تحت علم الناتو الأوروبى.
لكن تظل أوروبا بعيدة عن تقدم القدرات العسكرية الحاسمة وبعيدة عن أجواء الحروب الحقيقية منذ الحرب العالمية وصعود قطب الولايات المتحدة الأمريكية لقيادة العالم، مع وجود فجوة تكنولوجية وعسكرية واضحة بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبى.
خاصة فى ظل الاعتماد الأوروبي لسنوات على المظلة الاستخباراتية والأقمار الصناعية الأمريكية لذلك من الصعب جداً على الدول الأوروبية على المدى القصير تعويض أنظمة الإنذار المبكر المراقبة والاستطلاع الفضائى التى توفرها واشنطن مما يترك القارة شبه مكشوفة استخباراتياً تحديدا لعدوها اللدود فى جوارها (روسيا) بكل ما تملكه الأخيرة من تقدم عسكرى و استخباراتى ونفوذ فى أوروبا كلها.
ومن جهتها لن تترك الولايات المتحدة حلفها الغربى فريسة لنمو نفوذ روسيا والصين رغم محاولات الابتزاز (الترمباوى) لأوروبا ولعل حضور ترمب لتركيا فى قمة الناتو يؤكد أهمية وجود الحلف والضغط الأمريكى الحالى على الناتو لمجرد مزيد من المكاسب الأمريكية!.
من ناحية تانى توتر أجواء التحالف الغربى وضغط مفاجئة الحرب الأوكرانية تسبب فى دخول بعض الدول الأوروبية لسباق تسلح وإعادة أهمية تنمية قدرات الجيوش للمناخ السياسي الأوروبى.
وده اللى صرح بيه أمين عام الناتو مارك روته حيث قال بإن الحلفاء الأوروبيين رفعوا إنفاقهم الدفاعى إلى نحو 4% من الناتج المحلى الإجمالى كما أن الإنفاق الدفاعى الأساسى زاد بنحو 20% العام الماضى مقارنة بالعام السابق.
بالإضافة إلى زيادة استثمارات أوروبا فى صناعات الدفاع الإضافية فى 2025 و2026 ووصلت إلى 258 مليار دولار.
كما سبق لدول الناتو أن اتفقت على رفع الإنفاق الدفاعى الإجمالى إلى 5% من الناتج المحلي بحلول 2035.
وبينما يعول الأوروبيين على قمة الناتو الأخيرة فى أنقرة على تقوية الناتو وجيوشهم بخطط واضحة وموثوقة لتحقيق هدف الـ5% ورفع قدرات الحلف المشترك وقدرات القوة لجيوش أوروبا، تعول من جهتها الولايات المتحدة مع ترمب على الاستحواذ على صفقات كبرى بمليارات الدولارات لبيع السلاح الأمريكي للناتو وضمان توجهات حلف شمال الأطلسى لصالح نفوذ واقتصاد (أمريكا أولا)!








