فن وثقافة

عيد ميلاد علاء مرسي.. لماذا يظل بعض الفنانين خالدين رغم أنهم لم يطاردوا البطولة؟ وهل الخلود في الفن قرار أم مصير؟

حجم الخط:
في الفن، توجد حقيقة لا تُدرّس في المعاهد ولا تُكتب في الكتب، لكنها تتكرر كل يوم أمام أعيننا؛ ليس كل من يقف في مقدمة الصورة هو صاحبها، وليس كل من يحمل لقب البطل هو الأكثر بقاءً في الذاكرة. هناك فنانون يشبهون الألعاب النارية، يملأون السماء ضوءًا للحظات ثم يختفون، وهناك فنانون آخرون يشبهون النجوم البعيدة، قد لا تكون الأكثر صخبًا، لكنها تظل مضيئة مهما طال الزمن. وعندما نتأمل مسيرة الفنان الكبير علاء مرسي في يوم ميلاده، ندرك أننا أمام نموذج ينتمي إلى الفئة الثانية، فئة الفنان الذي لم يطارد الضوء، لكنه أصبح جزءًا منه.
المثير في تجربة علاء مرسي أن الحديث عنه لا يبدأ من عدد الأفلام أو المسلسلات أو المسرحيات التي شارك فيها، بل يبدأ من سؤال أكثر تعقيدًا: لماذا ينجح ممثل في أن يعيش داخل ذاكرة الجمهور لعقود، بينما يختفي آخرون رغم أنهم حصلوا على بطولات أكبر ومساحات أوسع؟ الإجابة لا تكمن في حجم الدور، بل في حجم الصدق الذي يسكنه. فالفن، في جوهره، ليس منافسة على عدد المشاهد، وإنما منافسة على عدد القلوب التي تستطيع الوصول إليها، وعلاء مرسي امتلك هذه القدرة النادرة دون أن يعلن عنها أو يسعى إلى إثباتها.
لقد عاش الفن المصري عبر تاريخه الطويل على أكتاف نوعين من الفنانين؛ نجوم يحملون العمل بأسمائهم، وآخرون يحملون العمل بأدائهم. وإذا كان النوع الأول يحصد التصفيق قبل عرض الفيلم، فإن النوع الثاني يحصل على التصفيق الحقيقي بعد انتهاء العرض. هؤلاء هم الذين يخرج المشاهد من القاعة وهو يتحدث عنهم، رغم أنهم لم يكونوا أبطال الحكاية على الورق. وهذه واحدة من أعقد المفارقات في صناعة الفن؛ أن البطولة المكتوبة قد لا تتحول إلى بطولة حقيقية، بينما يستطيع ممثل آخر أن يصنع مجده في دقائق قليلة إذا امتلك الموهبة التي تجعل الزمن يتوقف عند ظهوره.
علاء مرسي من هؤلاء الذين يفهمون التمثيل بوصفه فعلًا إنسانيًا، لا استعراضًا للقدرات. ولذلك لم يكن حضوره يومًا قائمًا على الصراخ أو المبالغة أو محاولة خطف الانتباه بأي وسيلة. كان يدرك أن المشهد لا يحتاج إلى ممثل يملؤه بالحركة، بل إلى ممثل يمنحه الحياة. والفرق بين الأمرين كبير؛ فالحركة قد تصنع ضجيجًا، أما الحياة فتصنع أثرًا، والأثر هو الشيء الوحيد الذي لا يشيخ.
هناك مقولة قديمة تقول إن الإنسان يُعرف بما يتركه بعد رحيله، لكن الفنان يُعرف بما يتركه بعد انتهاء كل مشهد. بعض المشاهد تنتهي بانتهاء الحوار، بينما هناك مشاهد أخرى تظل معلقة في ذاكرة المشاهد سنوات طويلة. ليس لأن الحوار كان عبقريًا، ولا لأن الديكور كان مبهرًا، بل لأن ممثلًا ما استطاع أن يمنح الشخصية روحًا حقيقية. وهذا تحديدًا ما فعله علاء مرسي مرارًا؛ فقد منح شخصياته حق الحياة، فلم تعد مجرد أسماء مكتوبة في السيناريو، بل أصبحت أشخاصًا يشعر الجمهور أنه يعرفهم منذ سنوات.
ولعل أكثر ما يميز تجربته أنه لم يقع في فخ تكرار نفسه. كثير من الممثلين ينجحون في شخصية واحدة، ثم يقضون بقية حياتهم يعيدون إنتاجها بأسماء مختلفة. أما علاء مرسي، فكان يدرك أن أخطر عدو للفنان هو اعتياد الجمهور عليه. لذلك ظل يبحث عن تفاصيل جديدة، ونبرات مختلفة، وإيقاعات متجددة، وكأنه يعلن في كل عمل ميلادًا جديدًا لنفسه، مؤمنًا بأن الفنان الحقيقي لا يعيش على نجاح الأمس، بل يصنع نجاح الغد.
واللافت أيضًا أن حضوره لم يعتمد يومًا على فكرة “النجم الذي لا يُهزم”. بل على العكس، كان دائمًا أقرب إلى الإنسان العادي، بكل تناقضاته وضعفه وعفويته. وربما لهذا السبب أحبه الناس؛ لأنهم لم يروا فيه بطلًا خارقًا، بل رأوا جزءًا منهم. رأوا الجار، والصديق، والقريب، والرجل الذي يمكن أن يقابلوه في أي شارع، لكنه حين يقف أمام الكاميرا يتحول إلى حالة فنية يصعب تفسيرها.
في الفلسفة، يقال إن الخلود لا يتحقق بطول العمر، بل بعمق الأثر. وهذه الفكرة تنطبق على الفن أكثر من أي مجال آخر. فالعمل الفني لا يقاس بعدد السنوات التي مضت عليه، وإنما بقدرته على مقاومة الزمن. وهناك أعمال كثيرة فقدت بريقها بعد أشهر، وأخرى ما زالت تعيش لأن من صنعها كان يؤمن بأن الفن رسالة قبل أن يكون مهنة. ومن يتابع رحلة علاء مرسي يلاحظ أنه انحاز دائمًا إلى هذا المعنى؛ لم يتعامل مع التمثيل كوسيلة للشهرة، بل كحرفة تحتاج إلى احترام يومي، وإلى إخلاص لا يراه الجمهور، لكنه يشعر به.
وربما لهذا السبب، لم يكن حضوره مرتبطًا بموضة معينة أو جيل بعينه. تغيرت أشكال الإنتاج، وتبدلت أساليب الكتابة، واختلفت ذائقة المشاهدين، لكن بقي علاء مرسي محتفظًا بمكانته، لأن الموهبة الحقيقية لا تنتهي بانتهاء الموضة. فالموضة تتغير كل موسم، أما الصدق الفني فيظل صالحًا لكل الأزمنة.
في عيد ميلاده، قد يكتب كثيرون كلمات التهنئة، وقد يستعيد آخرون أشهر مشاهده، لكن ربما تكون أفضل هدية يمكن أن نقدمها لفنان مثله هي الاعتراف بأن الفن لا يزال بخير طالما بقيت فيه أسماء تؤمن بأن الاحترام يسبق الشهرة، وأن القيمة تسبق الانتشار، وأن البقاء في ذاكرة الناس لا يُشترى بحملات الدعاية، بل يُكتسب بسنوات طويلة من العمل الصادق.
إن علاء مرسي يمثل فكرة أعمق من مجرد ممثل ناجح؛ إنه يذكرنا بأن الحياة نفسها لا تكافئ دائمًا الأعلى صوتًا، بل تكافئ الأكثر صدقًا. وأن الفن، مهما تغيرت وسائله، سيظل يبحث عن أولئك الذين يستطيعون تحويل الشخصية المكتوبة بالحبر إلى إنسان ينبض بالمشاعر. وهذه هي المعجزة الحقيقية التي لا يستطيع الزمن أن ينتزعها من أي فنان.
و، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يصنع الفنان تاريخه، أم أن تاريخه هو الذي يصنعه؟ ربما تكون الإجابة في حالة علاء مرسي مختلفة؛ فقد صنع تاريخه بصبره، ثم ترك لهذا التاريخ أن يتحدث عنه نيابةً عنه. ولذلك، فإن الاحتفال بعيد ميلاده ليس احتفالًا بزيادة رقم في العمر، بل احتفال بقيمة فنية أثبتت أن الخلود لا يحتاج إلى ضجيج، وأن بعض الفنانين لا يكبرون في أعمارهم فقط، بل يكبرون في ذاكرة الوطن، وفي وجدان كل من يؤمن بأن الفن الحقيقي لا يرحل أبدًا
زر الذهاب إلى الأعلى