فريد عبد الوارث يكتب: شر البلية ما يضحك.. العراق بين “المهيب” و”الراعي”

عندما تُدار سيادة الأوطان بالصدفة البحّتة! نتسائل هل سمعتم آخر نكتة؟ والنكتة هنا ليست من تأليف “أبو تحسين” في مقهى بغدادي بل صدرت بختم الجودة من صحيفة “نيويورك تايمز”، الصحيفة الأمريكية فجّرت قنبلة من العيار الثقيل مفادها أن إسرائيل لم تكن تمتلك قاعدة سرية واحدة في الصحراء الغربية للعراق.. لا، تظلمونهم هكذا! بل كانتا” قاعدتين سريتين” كاملتي الأوصاف إحداهما تعمل بنشاط وهمة منذ أكثر من عام، وطبعاً كل هذا جرى برعاية ومباركة الحليف الأمريكي ومن دون أن يجرؤ أحد على قول “بونجور” للحكومة الموقرة في بغداد.
وعلى افتراض أن حكومة “العراق الجديد” لا تعلم (وهنا تكمن النكتة الأكبر) كيف انكشف هذا السر العسكري الرهيب؟ هل عبر الأقمار الاصطناعية؟ أم بفضل المخابرات الوطنية؟ لا أبداً.. الموضوع كله “اتقشط” بالصدفة عندما كان “راعي غنم” عراقي يبحث عن عشب لقطيعه في قلب الصحراء، فتعثر بقاعدة عسكرية إسرائيلية! ولأن السيادة اليوم ثمنها بخس فقد دفع هذا الراعي حياته ثمناً لهذه الفضيحة الفكاهية.
فما بين الأمس واليوم: من “الرادارات المشتعلة” إلى “شاشات التوقف”! مفارقة مضحكة مبكية تأخذنا فوراً لعقد مقارنة لا مفر منها بين حال عراق اليوم وحال عراق الأمس أيام صدام حسين، ففي أيام صدام ورغم كل التحفظات والحروب والديكتاتورية التي دفع الشعب ثمنها غالياً، كان هناك شيء اسمه “دولة” ذات مخالب، لم يكن يجرؤ طائر غريب أن يرفرف فوق الأنبار أو النجف دون أن ترصده الرادارات، وكانت فكرة وجود جندي إسرائيلي واحد يتبول في الصحراء العراقية ضرباً من الخيال العلمي.
أما اليوم؟ فيبدو أن الرادارات العراقية تم ضبطها على وضعية “الصامت” أو “شاشة التوقف” (Screensaver)، بفضل الحليف الأمريكي الذي يطفئ الأجهزة بالقوة كلما أرادت طائرات الكيان الصهيوني أن تمر “ترانزيت” لضرب الجيران، الفضيحة الحقيقية.. لست وحدك يا عراق في “بلاد المساخر”
لكن، لنكن منصفين ولا نظلم العراق وحده؛ فالفضيحة الحقيقية ليست في بلد شاسع الصحراء تعرض لخيانة علنية من حليفه الأمريكي وجيرانه، الفضيحة الحقيقية والأكثر فجوراً تكمن في “بلاد المساخر العربية” الأخرى، بلاد أجواؤها مستباحة علناً في وضح النهار، وقواعدها العسكرية مجهزة رسمياً لحماية الكيان، وموانئها تعمل بأقصى طاقتها لتطعمهم وتغيثهم في عز الحرب، بينما غزة جائعة!
إذا كان العراق قد كشفته “صدفة” راعي غنم، فكم قاعدة سرية وكم خيانة علنية تحت الطاولة تعج بها باقي عواصم المنظومة العربية؟
قديماً قالوا “شر البلية ما يضحك”.. واليوم، نعيش في زمن أصبحت فيه السيادة العربية مجرد نكتة سمجة، لا يملك المواطن العربي أمامها سوى أن يضحك بسخرية مريرة، ويسأل: “يا ترى، الدور على مين في الصدفة الجاية؟”
ومع تهاوي القلاع وتداعي الحدود في المنطقة، تبرز مصر بجيشها العظيم كحارس التاريخ وصمام الأمان الأخير والصخرة التي تتحطم عليها كل المؤامرات فالجيش المصري ليس مجرد قوة عسكرية تقليدية، بل هو عقيدة وطنية راسخة ودرع يحمي “آخر قلاع الأمة” في زمن الاستباحة والسيادة المستعارة.
بينما يستيقظ العالم على أخبار القواعد السرية والاختراقات الصادمة في صحاري شاسعة، تقف الحدود المصرية بمثابة خطوط حمراء محرمة يحرسها صقور لا تغمض لهم عين، وتدعمها تكنولوجيا رصد وتأمين قتالية هي الأحدث عالمياً، من المناورات الإستراتيجية الكبرى التي تظهر أعلى درجات الجاهزية، إلى السيطرة المطلقة والمحكمة على كافة الاتجاهات الإستراتيجية (شرقاً، وغرباً، وجنوباً)، يثبت الجيش المصري دائماً أن أرض الكنانة ليست ساحة مستباحة ولا سماءً تمر منها طائرات العبث.
إنها القوة الحقيقية التي تفرض الردع وتصون الكرامة، لتظل مصر دائماً خط الدفاع الأول، والملجأ الحصين الذي يستند إليه الأمن القومي العربي بأسره.








