محافظات

فريد عبد الوارث يكتب: مصر تحسمها بلا مواربة .. لسنا وقود في حروب لا نصنع قرارها

حجم الخط:
في لحظة إقليمية فارقة كشفت القاهرة عن موقف صلب لا يقبل التأويل أو المساومة واضعة حدًا لمحاولات جرّها إلى ساحة صراع لا يخدم مصالحها ولا يعكس أولوياتها الاستراتيجية، فخلال اتصالات مكثفة مع قادة خليجيين جاء الرد المصري واضحًا وصادمًا: الجيش المصري ليس أداة تُستدعى عند الأزمات ولا قوة تُستخدم بالوكالة في معارك الآخرين.
الرسالة المصرية حملت في طياتها ما هو أبعد من مجرد رفض عسكري؛ إذ عكست رؤية نقدية حادة لنهج بعض العواصم الخليجية التي اعتادت، بحسب دوائر قريبة من المشهد البحث عن “مظلات حماية” خارجية بدلًا من بناء قدراتها الذاتية أو تبني مقاربات سياسية أكثر اتزانًا، فبدلًا من مراجعة السياسات أو احتواء التصعيد يظل الخيار الأسهل هو استدعاء الجيوش الصديقة وتحميلها كلفة المواجهة.
القاهرة، التي خبرت تعقيدات الحروب وتكلفتها الباهظة اختارت أن تتمسك بعقيدتها العسكرية: حماية الأرض المصرية أولًا وعدم الزج بقواتها في صراعات مفتوحة بلا أفق واضح، كما شددت على أن الانخراط في مواجهة مع إيران في هذا التوقيت لا يعكس قراءة واقعية للمشهد بل قد يدفع المنطقة إلى حافة انفجار شامل.
وفي مقابل هذا الرفض طرحت مصر بدائل تعكس قدرًا أكبر من المسؤولية داعية إلى تفعيل اتفاقيات الدفاع العربي المشترك، وهي آلية طالما جرى تجاهلها من قبل نفس الأطراف التي تعود اليوم للمطالبة بتحركات عاجلة كما أبدت استعدادًا محدودًا لتقديم دعم أمني غير قتالي في إطار لا يحولها إلى طرف مباشر في الحرب.
غير أن اللافت في المشهد هو التناقض الصارخ في مواقف بعض دول الخليج؛ فبينما ترفض هذه الدول منذ سنوات فكرة العمل العربي المشترك وفق رؤية مؤسسية تعود اليوم لتطرح مشاريع مرتجلة من نوع “ناتو عربي” في توقيت شديد الحساسية وكأنها تبحث عن حلول سريعة لأزمات صنعتها سياسات متراكمة.
وترى القاهرة أن هذه الطروحات تفتقر إلى الحد الأدنى من الواقعية خاصة في ظل الوجود العسكري الأجنبي المكثف في المنطقة والذي يفرض قيودًا واضحة على أي قرار عربي مستقل، فكيف يمكن الحديث عن تحالف عسكري “عربي” بينما تتحكم قوى خارجية في مفاصل القرار الميداني؟
وفي سياق متصل كشفت الاتصالات بين القاهرة وأنقرة عن توافق لافت في رفض الانجرار إلى هذا المسار وهو ما أزعج بعض الأطراف التي كانت تراهن على موقف مصري مختلف، لكن القاهرة بدت أكثر ثباتًا مدفوعة بقناعة أن التهور في إدارة الأزمات لا يصنع انتصارًا، بل يفاقم الخسائر.
الهجوم الإعلامي الذي أعقب هذا الموقف لم يغيّر من المعادلة كثيرًا، بل كشف حجم الفجوة في الرؤية بين من يديرون الصراع بعقل الدولة ومن يتعاملون معه بمنطق رد الفعل والانفعال فبينما تفضل مصر العمل عبر قنوات التشاور والتوازنات الدقيقة، لا تزال بعض العواصم تبحث عن “من يقاتل بدلًا عنها”.
في النهاية، يبدو أن القاهرة قررت أن تضع خطوطًا حمراء واضحة: لا مشاركة في حرب بلا حسابات ولا تنازل عن دورها كقوة إقليمية عاقلة، أما الرسالة الأهم، فتبقى أن من يملك قراره ويدافع عن أرضه لا يمكن أن يتحول إلى أداة في صراعات الآخرين، مهما كانت الضغوط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى