
حجم الخط:
يرقد الرضيع عليان بين ذراعي أمه داخل مستشفى الرنتيسي للأطفال، فيما لا يتوقف عن السعال وصعوبة التنفس، بينما تحاول والدته مساعدته بجهاز “التبخيرة”. عليان ليس حالة فردية، بل واحد من مئات الأطفال الذين يتوافدون يوميًا إلى المستشفى نتيجة انتشار فيروس غامض يسبب التهابات صدرية حادة وضيقًا شديدًا في التنفس.
بحسب الطواقم الطبية، يستقبل قسم الطوارئ نحو 200 حالة يوميًا، يدخل 40 منهم إلى أقسام المبيت المكتظة، في ظل عجز المستشفى عن تحديد ماهية الفيروس الذي تتشابه أعراضه مع الإنفلونزا الموسمية لكنها أشد وأكثر خطورة. قبل شهر واحد فقط، كان العدد يصل إلى 400 حالة يوميًا، ما يشير إلى انخفاض نسبي لكنه لا يلغي خطورة الوضع.
الأطفال حديثو الولادة وحتى سن ثلاث سنوات هم الأكثر عرضة للمضاعفات، إذ يعانون من فقدان الشهية، التقيؤ، السعال المستمر، ونقص الأكسجين الذي يضطرهم لاستخدام أجهزة التنفس الاصطناعي. بعض الحالات تتدهور فجأة رغم استقرارها الظاهري، ما يضع الأطباء أمام تحديات غير مسبوقة.
المستشفى، الذي كان مخصصًا لعلاج الأورام قبل الحرب، تحول إلى مستشفى عام للأطفال بعد تدمير أربعة مستشفيات في شمال القطاع. ومع تدمير غرفة العناية المكثفة خلال العملية العسكرية الأخيرة، باتت الطواقم الطبية تعمل بإمكانات محدودة جدًا، حيث لا يتوفر سوى نصف عدد وحدات التبخير المطلوبة يوميًا، فضلًا عن نقص حاد في المحاليل والأدوية الأساسية.
وزارة الصحة في غزة تؤكد أن نسبة العجز في مواد الفحص المخبرية وصلت إلى 86%، فيما بلغ العجز في الأدوية الأساسية 52%، والمستهلكات الطبية 71%. هذا النقص الحاد يفاقم الأزمة ويجعل التعامل مع الفيروس شبه مستحيل.
الدكتورة وصال أبو لبن، المديرة الطبية لمستشفى الرنتيسي، أوضحت أن الفيروس لم يُكتشف بعد، لكنه سريع الانتشار داخل العائلات ويستمر لفترات طويلة تصل إلى 20 يومًا أو أكثر. وقد سجلت وفيات بين أطفال بأعمار مختلفة، بينهم طفلة في التاسعة من عمرها توفيت بعد 24 ساعة فقط من دخولها المستشفى رغم تلقيها العلاج.
في ظل هذا الواقع، يعيش أهالي غزة بين الخوف والقلق، حيث يهدد الفيروس حياة أطفالهم في بيئة مكتظة بالخيام، ملوثة، ومحرومة من أبسط مقومات الرعاية الصحية. الأزمة الصحية في القطاع لم تعد مجرد تحدٍ طبي، بل كارثة إنسانية تتطلب تدخلًا عاجلًا لإنقاذ أرواح الأبرياء.








