حين تصبح اللحظة كل شيء وتحتضن الروح والعالم كله

في عالم سريع لا يتوقف عن الحركة هناك لحظات صغيرة تمر علينا دون ان نلتفت اليها لكنها تحمل كل معنى الحياة كلها في ثانية واحدة في ضحكة طفل في كلمة صادقة في نظرة عابرة في نسمة هواء في صوت بعيد كل هذه اللحظات حين نتمكن من رؤيتها وفهمها تصبح الزمن كله بين يديك تصبح اللحظة كل شيء
الانسان يقضي عمره يبحث عن الايام الكبيرة عن الانتصارات
الضخمة عن الاحداث التي ستغير حياته بينما اللحظة الحقيقية لا تحتاج الى ضجة ولا اعلام ولا شهود انها موجودة في كل تفاصيل صغيرة لكنها غالبا تهرب منا لاننا منشغلون بالانشغال ونسينا كيف نرى كيف نشعر كيف نعيش ببطء حين تصبح اللحظة كل شيء يبدأ الانسان في اكتشاف ما كان خفيا من قبل يبدأ ان يرى الجمال في البساطة في الصمت في الانتظار في تكرار الايام في الناس العاديين
الذين لا يتحدثون كثيرا لكن وجودهم يملأ المكان كله يبدأ ان يفهم ان السعادة ليست في الوصول الى مكان بل في المرور في الطريق بكل وعي وان كل تجربة مهما بدت عادية هي لبنة في بناء الحياة
اللحظة تعلم الانسان ان لا شيء يدوم وان كل شيء عابر وان الفرح والحزن متشابكان لا ينفصلان وان كل شعور مهما كان صغيرا له قيمة وان الانسان حين يتوقف ليستمع ويشعر يصبح اكثر اكتمالا
اكثر وعيا اكثر قدرة على التعامل مع الحياة بمختلف مفاجآتها ومن هنا تبدأ رحلة جديدة للوعي الداخلي في اللحظة تعلم الانسان الصبر لا الصبر الذي يأتي من الانتظار بل الصبر الذي يأتي من الاكتفاء بما هو الان الصبر الذي يجعل الانسان يعيش من دون استعجال ومن دون خوف ومن دون ضياع بين الماضي والمستقبل ويصبح حضوره حقيقيا لا مزيفا ويصبح وعيا اكثر من اي وقت
مضى اللحظة تعلم الانسان التواضع فحين يرى الكون بكل اتساعه وبكل تفاصيله الصغيرة يدرك انه جزء بسيط لكنه مهم يدرك ان وجوده ليس عبثا وان كل تفاعل وكل كلمة وكل تفكير له اثر وان الاحترام للحياة يبدأ بالانتباه للحظة والاهتمام بما هو حقيقي وليس بما يراه الناس ومع مرور الوقت يدرك الانسان ان اللحظة لا تأتي دائما حسب رغبتنا وان الكثير منها يمر من دون ان نلاحظها
لكن من يلتفت اليها ويعيشها بوعي يستفيد منها اكثر من سنوات كثيرة من الانشغال بماضيه ومستقبله ومعرفة اللحظة تجعل الانسان اكثر انسجاما مع نفسه ومع العالم المحيط به حين تصبح اللحظة كل شيء يبدأ الانسان في النظر الى الناس بطريقة مختلفة يرى الحزن دون ان يحكم ويرى الفرح دون غيرة ويرى الحب دون انتظار مقابل ويرى الحياة كما هي بكل بساطتها وكل تعقيدها في
الوقت نفسه ويكتشف ان كل لحظة لها قيمتها الخاصة وان كل ثانية تمر هي كنز لا يمكن استعادته الانسان حين يعيش اللحظة يتعلم الصمت ايضا ليس صمت الخوف بل صمت التقدير صمت الامتنان صمت التركيز صمت يسمح للروح بالتنفس ويجعل القلب اكثر صفاء اكثر قدرة على الحب اكثر قوة على الاستمرار في مواجهة تقلبات الحياة دون ان ينكسر ومن هنا يصبح الانسان اقوى
اكثر استقرارا اكثر وعيا ومع مرور السنين وتكرار المرات التي يمر فيها الانسان بنفس الشوارع وفي نفس الازقة يكتشف ان اللحظات لم تتغير بل هو الذي تغير يرى كل شيء بطريقة مختلفة يشعر بان كل ضحكة وكل كلمة وكل نظره وكل صمت يحمل معنى اعمق وان كل ثانية تمر لا تعود وان كل لحظة صغيرة هي حياة كاملة في داخلها كل لحظة تصبح جامعة لكل التجارب السابقة واللاحقة
تصبح نافذة يرى الانسان من خلالها الماضي والحاضر والمستقبل في وقت واحد كل ثانية تمر تحمل درسا جديدا وفهما جديدا لكل شيء وكل حركة وكل نفس وكل شعور وكل ضوء وكل ظل وكل انفاس الحياة وفي النهاية عندما ينظر الانسان الى كل الايام التي عاشها ويحسب اللحظات التي شعر فيها بكل عمق يدرك ان السعادة لم تكن في الاحداث الكبيرة بل في اللحظات الصغيرة في التفاصيل
الغير مرئية في الصمت في نظرة في لمسة في ابتسامة في صراع اجتازه في صمت وكل هذه اللحظات مجتمعة تشكل الحياة الحقيقية وان الانسان حين يتعلم ان يعطي اللحظة كل قيمتها يصبح قد فهم الحياة بكل بساطتها وتعقيدها وكل ثانية تمر تصبح جزءا من شخصيته ووعيه ونضجه وتجربته العميقة وكل لحظة صامتة تعلمه اكثر مما يتخيل وتعطيه قدرة على استيعاب العالم بما
فيه من فرح وحزن ونجاح وفشل وكل تجربة مهما بدت صغيرة هي حياة كاملة وجزء من تكوين الانسان وهكذا تصبح اللحظة كل شيء في حياة الانسان تصبح الدرس كله تصبح المعنى كله تصبح الجوهر كله تصبح الحياة نفسها تتكشف امامه بلا ضوضاء بلا استعجال بلا زيف تتكشف كما هي بكل صدقها بكل صعوبتها بكل جمالها وكل ما يحتاجه الانسان هو ان يعي كل ثانية وان يعيشها
بكل قلبه بكل وعيه بكل حواسه وكل تجربة يصبح فيها واعيا بكل لحظة تتضاعف قيمتها وتصير جزءا من كيانه الروحي والنفسي والفكري وكل ثانية تمر هو اقوى واعلم وانضج وادرك ان كل لحظة صامتة هي حياة كاملة








