منوعات

هنا نابل بقلم: المعز غني

حجم الخط:

… رحلتنا بين ورقتين
أظنّني ، بل أكاد أجزم ، أنّني كتبتُ سابقًا حول هذا الموضوع … لكنّ بعض الأفكار تشبه الدوائر ، كلّما عدنا إليها أكتشفنا أنّنا كبرنا قليلًا ، وأنّ المعنى أتّسع أكثر .
رحلتنا بين ورقتين …
عندما نأتي إلى الحياة ، لا نصرخ وحدنا ، بل تصرخ معنا ورقة .
يسارع الوالد رحمة الله عليه إلى دائرة الأحوال المدنية بإحدى البلديات الراجعة له بالنظر ، ليستخرج أوّل وثيقة مهمّة «لنا» كمولودين : تسمى شهادة الميلاد .
ورقة صغيرة ، بيضاء ، لكنها تختصر لحظة الميلاد ، وتعلن رسميًا أنّنا صرنا رقمًا في سجلّ الحياة .
ثمّ تتوالى الأوراق …
ثانوية ورئيسة ، بسيطة ومعقّدة ، لكنّها كلّها تصرّ على مرافقتنا .
وعندما أبلغ السادسة من العمر ، أُسجَّل في المدرسة .
وهنا ، لا بدّ من ملفّ شخصي … والملفّ لا يكتمل دون أوراق .
صور شمسية ، نسخ من شهادة الميلاد ، مطالب تسجيل …
وبعد نهاية العام الدراسي ، تُمنح لي شهادة تثبت أنّني أهلٌ للترفيع إلى الصفّ الثاني .
ورقة أخرى … تضيف خطوة جديدة في الرحلة .
منذ الصفّ الأوّل ، تترسّخ علاقتي بالورق .
فالكتب من ورق ، والدفاتر من ورق ، وحتى الأحلام الصغيرة كنّا نكتبها على هوامش الورق .
أوراق الإختبارات: عربي ، رياضيات ، إنقليزي ، علوم طبيعية …
ننجح بورقة ، ونُحاسَب بورقة ، ونفرح أو نحزن بسبب ما كُتب على ورقة .
ونتابع الرحلة …
وتظلّ الأوراق رفيقتي ، تلازمني أكثر من ظلّي .
فالظلّ لا يظهر إلا بوجود الشمس ، أمّا الأوراق فقد صارت كلّ ما يعنيني .
أرى أبي رحمه الله، وأقاربي ، وجيراني ، وكلّ من حولي يتعاملون بالأوراق
نقديّة ، فواتير كهرباء ، ماء، هاتف ، إنترنت …
الحياة كلّها صارت تمرّ عبر ورقة .
نصل إلى المرحلة الثانوية ، فتصير الأوراق أكثر هيبة ، وأكثر خطورة.
ورقة الإمتحان تحدّد المصير ، وورقة النتيجة تُغلق أبوابًا وتفتح أخرى وتسمى الثانوية العامة أو كما يطلق على تسميتها شهادة الباكالوريا .
ثمّ ندخل الجامعة …
وهنا تتحوّل الأوراق إلى قيمة ماديّة ومعنويّة أكبر .
نتابع أوراق الآخرين ، نقرأها ، نناقشها ، لأنّها تمثّل علمًا أو أدبًا أو توجّهًا أو رأيًا .
ننتهي من الجامعة …
ونحمل كَمًّا من الأوراق المطلوبة للحصول على عمل .
ولنفرض أنّ ذلك تيسّر ، بفضل الله ، فالرزق قضيّة تكفّل بها ربّ الكون.
نبدأ العمل ، فنستلم شيكًا شهريًا يمثّل الراتب .
نذهب إلى البنك ، نفتح حسابًا ،
وكان الشيك يومًا ما ، من أجمل الأوراق في رحلة الحياة .
ثمّ نسافر …
فحوصات طبية ، تذاكر طيران ، وجواز سفر .
وهذا الأخير من أهمّ الأوراق على الإطلاق ،
ورقة تسمح لك أن تعبر الحدود ، لكنها لا تضمن لك الطمأنينة .
وتأتي الوالدة رحمها الله ، كعادتها تحثّ على دخول القفص الذهبي.
ندفع أوراقًا نقديّة ، ونوقّع على أوراق ،
"ونتحصّل على ورقة تُسمّى "شهادة زواج .
ورقة تعلن شراكة عمر … ومسؤوليّة جديدة .
ثمّ نُرزق بأبناء وبنات ،
وكلّ واحد منهم يحتاج إلى أوراق تخصّه .
وتستمرّ الحياة بحلوها ومرّها …
وتزداد الأوراق ، وتتنوّع ،
حتى صار لها حقائب خاصّة ، تُحفظ في أماكن آمنة داخل البيت ،
كأنّها ذاكرة حياتنا كلّها .
وها نحن نصل ، دون إستئذان ، إلى المحطّة الأخيرة …
محطّة لا يستطيع أيّ راكب أن يتجاوزها ،
مهما كانت مكانته الماديّة أو الماليّة أو الإجتماعيّة .
إنّها الحقيقة الوحيدة المؤكّدة :
محطّة النهاية … محطّة الموت .
وهنا تُصدَر ورقة أخيرة لذويك ،
إثباتًا بأنّك وصلت إلى نهاية الرحلة .
ورغم أهميّتها ، ورغم أنّك صاحبها بلا منازع ،
فإنّها الشهادة الوحيدة التي لا يمكنك رؤيتها ،
ولا إضافتها إلى رصيد شهاداتك السابقة .
اسمها: شهادة وفاة.
دمتم بألف خير ،
وطالت أعماركم ،
وحَسُنَت أعمالكم …
قبل أن تصلوا إلى نهاية الرحلة .
اللهم بإسم أسمائك الحسنى وصفاتك العُلى نسألك أن تُحسن خاتمتنا كما أحسنت بدايتنا وأن تلحقنا رفقة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين حيث لا فراق ولا وجع ولا دموع كاذبة.
بقلم المعز غني
عاشق الترحال وروح الاكتشاف
 

زر الذهاب إلى الأعلى