منوعات

وداع بطعم الاحتفال.. هل تذوب مرارة الخروج في بريق الشاشات

حجم الخط:

 

يدخل المشهد الرياضي المصري في نفق غريب من التناقضات التي تكاد لا تحدث في أي بلد آخر؛ فبينما تسود أجواء الصمت والتقييم العقلاني لخطط المستقبل لدى المنتخبات التي تودع بطولة بحجم كأس العالم، نجد في مصر سيناريو مغايراً تماماً تسيطر عليه عقلية “الأفورة” والمهرجانات الصاخبة. إن ما رصدناه من مظاهر احتفالية مبالغ فيها بالمنتخب المصري عقب خروجه من المونديال، سواء داخل المدرجات والاستاد أو عبر شاشات القنوات التلفزيونية، يمثل ظاهرة غريبة تكرس لثقافة الفشل وتزييف الواقع الكروي تحت مسميات “التمثيل المشرف” و”الروح القتالية”.

 

وحتى لو سلّمنا جدلاً بالظلم التحكيمي الفج الذي تعرض له الفراعنة، والمجاملات الواضحة التي حظي بها منتخب الأرجنتين على حسابنا في تلك المواجهة المصيرية ــ وهي حقيقة قد يتفق عليها الكثير من المحللين ــ فإن هذا الإجحاف لا يجب بأي حال من الأحوال أن يتحول إلى “شماعة مريحة” نعلّق عليها عيوبنا الهيكلية، أو مبرراً يسوغ هذه الكرنفالات الهزلية. إن الاحتماء خلف صافرة الحكم للهروب من استحقاقات التقييم الفني الذاتي، وتحويل “الخسارة بفعل فاعل” إلى رخصة مفتوحة للاحتفال الصاخب، هو قمة العبث الرياضي؛ فالمنتخبات الاحترافية الكبيرة تواجه الظلم بالمرارة والعمل الصامت لتجاوز الثغرات، بينما تكتفي العقليات الهاوية برثاء حظها ثم الرقص فوق أنقاض الهزيمة وكأن شيئاً لم يكن.

 

تكمن الكارثة الأولى في مشهد الاستاد والمدرجات؛ فبدلاً من أن يكون الخروج دافعاً للمراجعة والحزن الرياضي المشروع، تحولت لقطات النهاية ومغادرة البطولة إلى ما يشبه الكرنفال المفتوح، حيث انخرط اللاعبون برفقة زوجاتهم وعائلاتهم في التقاط صور “السيلفي” وجلسات التصوير التذكارية على أرضية الملعب والمدرجات، وسط هتافات وتصفيق حار وكأن الفريق قد عاد بالكأس الذهبية. هذه الاحتفالات العائلية العلنية التي غطت على ملامح الهزيمة، لا نجد لها مثيلاً في ملاعب العالم الاحترافية، حيث يدرك أي لاعب دولي أن أرض الملعب بعد الإخفاق هي مكان للحساب الفني ومواجهة الجماهير الغاضبة بمسؤولية، وليست مسرحاً عائلياً لاستعراض الإطلالات وتبادل الابتسامات والتقاط الصور التذكارية مع الزوجات أمام عدسات المصورين وكأننا في حفل زفاف ممتد.

 

امتدت هذه المبالغة الفجة لتنتقل من عشب الاستاد إلى استوديوهات القنوات الفضائية التي نصبت ليل نهار خيام الاحتفاء والترحيب بالبعثة العائدة بخفي حنين. وبدلاً من تقديم تحليل فني يضع الأصابع على مواطن الخلل، تسابقت البرامج الرياضية والترفيهية في استضافة اللاعبين وزوجاتهم للحديث عن كواليس الرحلة، واستعراض تفاصيل حياتهم الشخصية، والاحتفاء بهم كأبطال قوميين صنعوا المعجزات. هذا الضخ الإعلامي المكثف للاحتفال بمنتخب ودع البطولة مبكراً يصنع حالة من تخدير الوعي الرياضي لدى الجماهير، ويمنح اللاعبين شعوراً زائفاً بالأمان والنجومية المطلقة؛ فما الداعي لبذل الجهد والتطور في الملعب ما دام الخروج والهزيمة يجلبان نفس كمية الأضواء، والشهرة، وبرامج التوك شو، وعروض الرعاية اللامتناهية التي يتصدرها اللاعب مع أسرته؟

 

إن هذه الاحتفالات الكثيرة والمستفزة تكرس لفكرة غياب المحاسبة وتغليب العلاقات العامة والشخصية على حساب الإنجاز الرياضي الحقيقي. في عالم كرة القدم الحديثة، النجومية والاحتفال يُنتزعان بالبطولات والأرقام القياسية وبلوغ منصات التتويج، أما تحويل الإخفاق المونديالي إلى حفلة مستمرة في الاستوديو والمدرج بمشاركة الزوجات والعائلات فهو مظهر من مظاهر الهواية التي تبقينا بعيداً عن ركب الاحتراف الحقيقي، وتجعلنا نعيش في فقاعة من الوهم لا تنتهي إلا بصدمة كروية جديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى