حوادث وقضايا

نادر الصيرفي : أسطورة «لا طلاق إلا للزنا» تحت مقصلة مشروع القانون الجديد

مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد: هل حصر الطلاق في الزنا مبدأ عقائدي أم تنظيمي؟

حجم الخط:
شهدت الساحة القانونية والكنسية في مصر، على مدار عقود، نقاشات واسعة حول قضايا الأحوال الشخصية للمسيحيين، وبصفة خاصة مسألة حصر الطلاق في علة الزنا. ورغم التقدير التاريخي الكبير لقرار البابا الراحل البابا شنودة الثالث رقم 7 لسنة 1971، الذي ضيّق أسباب الطلاق، فإن القراءة المتأنية لمشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد الجديد تكشف عن حقيقة قانونية وفقهية بالغة الأهمية، مؤداها أن قاعدة «لا طلاق إلا لعلة الزنا» ليست مبدأً مطلقاً أو موحداً لدى جميع الشرائع والمذاهب المسيحية، وإنما تخضع لاختلافات تنظيمية وعقائدية بين الطوائف.
ويظهر ذلك بوضوح من خلال نصوص مشروع القانون ذاته، التي تعكس تعدداً في أسباب الطلاق والانحلال، وتؤكد أن المشرّع لم يتعامل مع الزنا باعتباره السبب الأوحد لإنهاء العلاقة الزوجية.
أولاً: التباين الطائفي في أسباب الطلاق داخل مشروع القانون
1- تعدد أسباب الطلاق لدى الطوائف المسيحية
لم تقصر جميع الطوائف المسيحية الطلاق على علة الزنا وحدها، بل تبنت بعض الطوائف أسباباً متعددة لإنهاء العلاقة الزوجية.
فقد أخذت:
طائفة الروم الأرثوذكس بتسعة أسباب للطلاق،
والسريان الأرثوذكس بثلاثة أسباب،
والأرمن الأرثوذكس بتسعة أسباب كذلك.
وهو ما يؤكد أن فكرة قصر الطلاق على الزنا ليست قاعدة مسيحية موحدة، وإنما تنظيم خاص ببعض الكنائس دون غيرها.
2- الانحلال المدني كبديل قانوني للطلاق
تبنت الطائفتان الأرثوذكسية والإنجيلية فكرة «الانحلال المدني» للعقد، ورتبتا عليه ذات الآثار القانونية المترتبة على الطلاق لعلة الزنا.
ومن أمثلة ذلك:
الهجر الطويل،
الغياب الممتد،
استحكام النفور،
أو استحالة استمرار الحياة الزوجية.
وهو ما يعكس اتجاهاً تشريعياً يهدف إلى إيجاد مخرج قانوني للأسر المتعثرة دون الاصطدام المباشر بالمفهوم العقائدي للطلاق.
3- الخصوصية الكاثوليكية: غياب مفهوم الطلاق أصلاً
تُعد الشريعة الكاثوليكية دليلاً واضحاً على أن «الطلاق للزنا» ليس مبدأً مسيحياً عاماً؛ فالكنيسة الكاثوليكية لا تقر الطلاق أصلاً، حتى في حالة وقوع الزنا، وإنما تكتفي بما يسمى «الفرقة الجسدية»، مع بقاء الرابطة الزوجية قائمة من الناحية العقائدية.
ومن ثم، فإن الزنا في الشريعة الكاثوليكية لا يؤدي إلى انحلال عقد الزواج، وإنما يبرر الانفصال الجسدي فقط.
4- الطلاق قبل الدخول في الشريعة الإنجيلية
أجازت الكنيسة الإنجيلية إنهاء العلاقة الزوجية قبل الدخول (الزفاف) في بعض الحالات، مثل:
استحالة العشرة،
أو اكتشاف موانع جوهرية تحول دون استمرار الزواج.
وهي أسباب لا تقوم بالضرورة على وقوع الزنا، وإنما على تعذر قيام الحياة الزوجية ذاتها.
ثانياً: أسباب أخرى للطلاق لا تُكيَّف كزنا حقيقي
أخذ مشروع القانون، ومعه مختلف الكنائس، بمجموعة من الأفعال والانحرافات والسلوكيات التي اعتبرتها أسباباً موجبة للطلاق أو الانحلال، رغم أنها لا تُعد زناً بالمعنى التقليدي أو الشرعي.
1- التحريض على الفجور والزنا
اتفقت الكنائس على اعتبار:
التحريض على الفجور،
أو التعريض للزنا،
أو التحريض عليه،
أسباباً تبرر طلب الطلاق.
ورغم أن هذه الأفعال لا تمثل «زنا فعلياً»، فإنها تُعد انحرافاً سلوكياً جسيماً يهدد قدسية الحياة الزوجية ويبرر إنهاءها.
ومن ثم، فإن المشروع لم يقف عند الفعل الجنسي ذاته، بل امتد إلى السلوك المؤدي إليه أو المحرض عليه.
2- الشذوذ والمعاشرة غير الطبيعية
أخذت جميع الطوائف بالممارسات الجنسية الشاذة أو غير الطبيعية كأسباب قطعية لطلب الطلاق، حمايةً للطرف المتضرر من الأذى النفسي والجسدي.
ورغم أن هذه الأفعال لا تندرج قانوناً تحت مفهوم الزنا التقليدي، فإن المشروع اعتبرها من صور الانحراف الجسيم الذي يستحيل معه استمرار الحياة الزوجية.
3- تغيير الدين أو المذهب
اعتبر مشروع القانون أن:
الخروج عن الديانة المسيحية،
أو الانتقال إلى مذهب لا تعترف به الكنيسة الأصلية،
سبباً لإنهاء العلاقة الزوجية.
وهو سبب عقائدي وتشريعي بحت، لا يرتبط بالزنا أو بالخيانة الزوجية، وإنما يقوم على اختلاف المرجعية الدينية ذاتها.
ثالثاً: هل حصر الطلاق في الزنا قاعدة عقائدية أم تنظيماً تشريعياً؟
تكشف نصوص مشروع القانون أن مسألة حصر الطلاق في الزنا ليست قاعدة عقائدية مطلقة لدى جميع الكنائس، وإنما هي في جانب كبير منها تنظيم كنسي وتشريعي يختلف من طائفة إلى أخرى.
فلو كانت قاعدة «لا طلاق إلا لعلة الزنا» مبدأً عقائدياً موحداً لا يقبل الاجتهاد، لما اختلفت الكنائس حول:
أسباب الطلاق،
والانحلال المدني،
والفرقة الجسدية،
وأسباب إنهاء العلاقة الزوجية.
كما أن إدراج المشروع لأسباب متعددة غير الزنا يؤكد أن المشرّع الكنسي والمدني أدركا أن الحفاظ على الأسرة لا يكون فقط بالإبقاء الشكلي على رابطة مستحيل استمرارها، وإنما بتحقيق التوازن بين قدسية الزواج وكرامة الإنسان.
خاتمة
إن مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين يعكس تطوراً تشريعياً مهماً، ويؤكد أن التشريع المسيحي ليس نظاماً جامداً يدور حول سبب واحد للطلاق، بل هو تشريع يسعى إلى معالجة الأضرار الجسيمة التي قد تجعل استمرار الحياة الزوجية أمراً مستحيلاً.
فالقانون، في صورته الجديدة، لم يجعل الزنا وحده محور إنهاء العلاقة الزوجية، وإنما وسّع نطاق الحماية ليشمل صوراً متعددة من الانهيار الأسري والسلوكي والعقائدي، بما يحقق قدراً أكبر من العدالة والاستقرار الأسري
زر الذهاب إلى الأعلى