منوعات
مفترق

حجم الخط:
في لحظة ما من عمر الانسان يجد نفسه واقفا امام اكثر من طريق ولا يعرف ايها يحمل له الراحة وايها يخفي خلفه تعبا جديدا فينظر حوله وكأن الحياة تطلب منه قرارا لا يستطيع تأجيله وعندها يفهم ان اصعب اللحظات ليست تلك التي نواجه فيها طريقا مغلقا بل تلك التي تكون فيها الطرق مفتوحة ولا نعرف ايها يشبهنا
فالانسان لا يصل دائما الى مفترقات الطرق بسبب خطأ ارتكبه فقد يصل اليها لأن الحياة تغيرت من حوله وقد تتغير الظروف وقد تتبدل العلاقات وقد يكبر حلم كان صغيرا وقد يصغر حلم كان يظنه يوما اكبر امنياته وفي وسط هذه التحولات يحتاج الانسان الى ان يتوقف قليلا حتى يعرف ماذا يريد فعلا لا ماذا يريد الآخرون منه
وفي البدايات يكون الاختيار سهلا احيانا لأن الانسان لم يجرب الخسارة بعد ولم يعرف ثقل القرارات ولم يتعلم ان الطريق الجميل من بعيد قد يكون متعبا من الداخل لذلك يمشي بحماس ولا يسأل كثيرا ثم تأتي سنوات التجربة وتجعله اكثر حذرا واكثر قدرة على رؤية ما وراء التفاصيل
ومع مرور الوقت يتعلم ان القرار الصحيح ليس بالضرورة القرار الذي يرضي الجميع فالناس يرون جزءا من الصورة بينما صاحب القرار يعيش تفاصيلها كاملة ولذلك لا يستطيع الانسان ان يجعل حياته رهينة لآراء الآخرين لأن الذين يقدمون النصائح قد لا يتحملون النتائج بدلا منه
ويكتشف ايضا ان الخوف قد يظهر في صورة عقلانية جدا فقد يقول لنفسه انتظر قليلا وقد يقول ليس هذا الوقت المناسب وقد يخبره ان الطريق صعب وان احتمالات الفشل كثيرة وكل هذه الاصوات قد تبدو منطقية لكنها احيانا تكون مجرد طريقة ناعمة للهروب من الخطوة التي يخشاها
وهنا يبدأ الانسان في التفرقة بين الحذر والخوف فالحذر يجعله يدرس الطريق اما الخوف فيجعله لا يتحرك والحكمة لا تعني ان يضمن الانسان النتيجة قبل ان يبدأ فهذا مستحيل ولكنها تعني ان يعرف ما يستطيع تحمله وما يؤمن به وما يستحق ان يخاطر من اجله
وفي مفترقات الحياة ايضا تظهر حقيقة العلاقات فالطريق الجديد قد يكشف من يفرح لخطوتك ومن يخاف منها ومن يحب وجودك ومن يحب الصورة التي صنعتها له عن نفسك وقد تجد شخصا اعتاد منك ان تبقى في مكان معين وعندما تغير طريقك يبدأ في معاملتك بطريقة مختلفة وكأن حقك في التطور كان مشروطا ببقائك كما يريد
ومع النضج يتوقف الانسان عن تفسير كل تغير على انه خيانة فبعض العلاقات تنتهي لأن دورها انتهى وبعض المسافات تصبح ضرورية حتى يستعيد الانسان توازنه وبعض الوداع يكون مؤلما لكنه يمنح القلب مساحة لم يكن يملكها من قبل
ويتعلم ان ليس كل من رحل يجب ان يعود وليس كل باب اغلق يجب ان يحاول فتحه مرة اخرى فهناك اشياء جميلة كانت مناسبة لمرحلة معينة لكنها لا تصلح للمرحلة التالية وهناك اشخاص نحتفظ لهم بالامتنان دون ان نعيدهم الى حياتنا
وفي الطريق نفسه قد يكتشف الانسان ان اكبر مفترق لم يكن بين طريقين في الخارج بل بين نسختين داخله نسخة تريد ان تبقى كما اعتادت ونسخة اخرى تريد ان تكبر وتتغير وتتعلم وتخوض تجربة جديدة وهذه المواجهة الداخلية قد تكون اصعب من اي قرار خارجي
فالانسان احيانا يعرف ما يريد لكنه يخاف من الثمن وقد يعرف ان عليه ان يبتعد لكنه يخشى الوحدة وقد يعرف ان عليه ان يبدأ لكنه يخشى الفشل وقد يعرف ان عليه ان يقول الحقيقة لكنه يخشى خسارة شخص اعتاد وجوده وهنا يصبح القرار صراعا بين الراحة المؤقتة والحياة التي يريدها فعلا
ومع كل تجربة يدرك ان بعض الخسائر لا يمكن تجنبها وان محاولة الاحتفاظ بكل شيء قد تؤدي الى فقدان النفس نفسها فالانسان لا يستطيع ان يرضي الجميع ولا يستطيع ان يمسك بكل الطرق في وقت واحد ولذلك يحتاج احيانا الى ان يختار شيئا ويترك شيئا اخر حتى لو كان قلبه يريد الاحتفاظ بهما معا
ويتعلم ايضا ان النجاح لا يعني ان الطريق الذي اختاره كان خاليا من التعب فقد يتعب في الطريق الصحيح وقد يمر بلحظات شك وقد يندم احيانا لكنه عندما ينظر الى نفسه يجد ان التعب له معنى لأنه نابع من شيء يؤمن به اما الطريق الذي لا يشبهه فقد يكون سهلا لكنه يترك داخله فراغا لا يعرف كيف يملؤه
وفي بعض المراحل يختار الانسان طريقا لمجرد ان الجميع يسيرون فيه فيشعر بالامان لأنه ليس وحده لكنه بعد وقت يكتشف ان كثرة المسافرين لا تعني ان الاتجاه صحيح بالنسبة له فلكل انسان ظروفه وقدراته واحلامه وتوقيته ولا يمكن لحياة شخص ان تكون خريطة كاملة لحياة شخص آخر
ومن هنا يبدأ في احترام اختلاف الرحلات فلا يقارن بدايته بنهاية غيره ولا يقارن تأخره بوصول شخص آخر ولا يشعر ان عمره يضيع لأن شخصا سبقه فالحياة ليست سباقا موحدا وكل انسان يحمل ساعة مختلفة ومسارا مختلفا واختبارات لا يعرفها من يراقبه من الخارج
ومع مرور السنوات يصبح الانسان اكثر اهتماما بالمعنى من الشكل فيسأل نفسه هل ما افعله يستحق وهل المكان الذي اعيش فيه يضيف الى روحي وهل الاشخاص حولي يمنحونني مساحة لأكون نفسي وهل ما اسعى اليه يستحق السنوات التي سأدفعها ثمنا للوصول اليه
وهذه الاسئلة لا تكون سهلة لكنها ضرورية لأن الانسان قد يصل الى مكان حلم به طويلا ثم يكتشف انه لم يعد يريد الوقوف فيه وقد يحقق نجاحا كان يراه عظيما ثم يشعر ان شيئا داخله ما زال يبحث عن معنى اكبر من مجرد الوصول
وعندها يفهم ان الحياة ليست قائمة اهداف نضع علامة امامها ثم ننتقل الى الهدف التالي بل هي رحلة تتغير فيها احتياجاتنا ونظرتنا لأنفسنا لذلك لا عيب في ان يغير الانسان طريقه اذا اكتشف ان الطريق لم يعد يناسبه ولا عيب في ان يبدأ من جديد اذا عرف ان البداية الجديدة اكثر صدقا من الاستمرار في اتجاه خاطئ
وقد تكون اجمل القرارات هي تلك التي يتخذها الانسان بعد سنوات من التردد ليس لأنها سهلة ولكن لأنها تأتي بعد معرفة عميقة بما لا يريد وما يستطيع تحمله وما يستحق منه المحاولة وعندما يتخذها لا يكون كما كان في بداية الطريق بل يكون انسانا اكثر وعيا بما يملك وبما يخسر
ومع كل مفترق يتعلم الانسان شيئا عن نفسه فقد يتعلم ان الصمت كان خطأ في مرحلة وان الكلام كان خطأ في مرحلة اخرى وان الثقة العمياء لم تكن طيبة كما تصور وان الحذر الزائد لم يكن حماية كما ظن وان التمسك ليس دائما وفاء وان الرحيل ليس دائما هزيمة
وتتغير نظرته ايضا الى كلمة الفشل فبعد ان كان يراها نهاية يبدأ في رؤيتها نتيجة محتملة من نتائج المحاولة فالذي لم يحاول لا يعرف ماذا كان يمكن ان يحدث اما الذي حاول فقد خرج على الاقل بمعرفة جديدة حتى لو لم يحصل على النتيجة التي كان يريدها
وهذا لا يعني ان الانسان لا يحزن عندما يخسر بل يعني انه يتعلم كيف يحزن دون ان ينهار وكيف يراجع نفسه دون ان يجلدها وكيف يعترف بخطئه دون ان يحول الخطأ الى حكم نهائي على شخصيته
فالحياة لا تطلب من الانسان ان يكون بلا اخطاء بل تطلب منه ان يتعلم وان يتحرك وان يعرف متى يكرر المحاولة ومتى يغير الاسلوب ومتى يعترف ان الطريق لم يعد مناسبا له
وفي مفترقات العمر ايضا يصبح الانسان اكثر تقديرا للوقت لأنه يفهم ان بعض القرارات التي يؤجلها سنوات قد تصبح اثقل مع مرور الوقت وان بعض الاحلام تحتاج الى خطوة اليوم وليس الى وعد مؤجل للغد
ويعرف ان التأجيل قد يكون ضروريا احيانا لكنه قد يتحول ايضا الى عادة تمنع الانسان من الحياة فقد يؤجل المصالحة ويؤجل الاعتذار ويؤجل الحلم ويؤجل السفر ويؤجل الكلام الصادق ثم يكتشف ان الوقت لم يكن ينتظره كما تصور
لذلك يبدأ في احترام اللحظة التي يعيشها دون ان يصبح اسيرا لها فيخطط للمستقبل لكنه لا ينسى الحاضر ويحلم بالغد لكنه لا يهمل اليوم ويستفيد من الماضي لكنه لا يسمح له بأن يقوده الى الخلف
وحين يلتفت الى السنوات التي مضت يجد ان كثيرا من الطرق التي خاف منها كانت ضرورية حتى يصل الى نفسه وان بعض الاختيارات التي ظنها خاطئة علمته كيف يختار بعد ذلك وان بعض الاشخاص الذين تسببوا له في وجع كانوا سببا في ان يتعلم قيمة نفسه وحدوده
وهنا يفهم الانسان ان التجارب لا تأتي كلها لتمنحه ما يريد بعضها يأتي ليمنحه القدرة على التعامل مع ما سيأتي وبعضها يأتي ليعلمه كيف يقول لا وبعضها يأتي ليجعله اكثر تقديرا لنعم كان يراها عادية
وفي النهاية يصل الى حقيقة بسيطة لكنها عميقة وهي ان مفترقات الحياة لا تتوقف فكل مرحلة تحمل قرارا وكل قرار يفتح احتمالا جديدا وكل احتمال يقود الى تجربة اخرى لذلك لا يستطيع الانسان ان يضمن الطريق كله لكنه يستطيع ان يضمن شيئا واحدا وهو ان يكون صادقا في اختياراته
فاذا اختار فليتحمل نتيجة اختياره دون ان يعيش بقية عمره في الندم واذا اخطأ فليتعلم واذا خسر فليحزن ثم يقف واذا تغيرت الظروف فليغير ما يحتاج الى تغيير واذا وجد الطريق الذي يشبهه فليتمسك به دون ان يسمح للخوف بأن يعيده الى مكان لم يعد يشبهه
لان الحياة في النهاية ليست عن الوصول الى طريق بلا عقبات بل عن امتلاك الشجاعة لنختار وان نمضي وان نراجع خطواتنا وان نبدأ مرة اخرى عندما يكون البدء هو الحل
وعندما يصل الانسان الى هذه المرحلة لا يعود يخاف من المفترقات كما كان في الماضي لأنه يعرف ان الطريق الذي لا يختاره اليوم قد يفتح له غدا وان النهاية التي يخشاها قد تكون بداية جديدة وان ما يظنه ضياعا قد يكون مجرد تغيير في الاتجاه
وهكذا يمضي في الحياة بقلب اكثر هدوءا وعقل اكثر وعيا وروح تعرف ان بعض الطرق لا نختارها لأنها سهلة بل لأنها تجعلنا اقرب الى الانسان الذي نريد ان نكونه








