كامب ديفيد الجديدة هل تتجه المنطقة إلى معادلة سياسية بشروط مصرية

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة التعقيد تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية بصورة غير مسبوقة بينما تواصل مصر تحركها للحفاظ على أمنها القومي وثوابتها الاستراتيجية في ملفات غزة وليبيا والسودان والبحر الأحمر وشرق المتوسط ومياه النيل
وفي ظل هذه التطورات يبرز الحديث عن ترتيبات جديدة للمنطقة قد تتجاوز حدود وقف إطلاق النار إلى إعادة صياغة عدد من الملفات السياسية والأمنية التي ظلت لسنوات محل صراع وتفاوض
وتبدو القاهرة أمام اختبار بالغ الحساسية يتمثل في الحفاظ على ثوابتها الوطنية وفي مقدمتها رفض أي محاولات لفرض التهجير القسري للفلسطينيين أو المساس بالأمن القومي المصري أو فرض ترتيبات إقليمية لا تتوافق مع المصالح المصرية
مصر خلال السنوات الماضية لم تتعامل مع الأزمات المحيطة بها بمنطق رد الفعل فقط بل اعتمدت على بناء قدرات عسكرية واقتصادية وشبكة واسعة من العلاقات الدولية أتاحت لها هامشا أكبر للحركة والمناورة السياسية
وفي الملف الفلسطيني تواصل القاهرة التأكيد على ضرورة وقف الحرب وإدخال المساعدات الإنسانية ورفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم وضرورة الوصول إلى تسوية سياسية تضمن إقامة الدولة الفلسطينية وفقا للمرجعيات الدولية
أما على المستوى الإقليمي فقد حافظت مصر على حضورها في ملفات ليبيا والسودان وأمن البحر الأحمر باعتبار أن استقرار هذه المناطق يرتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي المصري
وفي ملف مياه النيل يظل سد النهضة أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للدولة المصرية حيث تؤكد القاهرة باستمرار ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يضمن عدم الإضرار بالمصالح المائية المصرية والسودانية ويحقق الاستخدام العادل للموارد المائية
وفي الوقت نفسه تعمل مصر على تعزيز قدراتها الداخلية من خلال مشروعات قومية ضخمة في مجالات الطاقة والمياه والزراعة والبنية الأساسية بما يعزز قدرتها على مواجهة الأزمات الإقليمية والاقتصادية
سياسيا تبدو القاهرة أكثر انفتاحا على بناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية الكبرى دون الانخراط في سياسة المحاور المغلقة وهو ما يمنحها مساحة أوسع للتحرك بين القوى الدولية المختلفة وفقا للمصالح المصرية
ومن هنا يأتي الحديث عن أي لقاء مصري أمريكي مرتقب باعتباره فرصة لبحث مجموعة كبيرة من الملفات وليس مجرد لقاء بروتوكولي
فالملف الفلسطيني سيكون في مقدمة الملفات المطروحة خاصة ما يتعلق بوقف الحرب وضمان تدفق المساعدات ورفض التهجير وإعادة إعمار قطاع غزة
كما ستظل قضية الأمن الإقليمي حاضرة بقوة إلى جانب أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة وملفات ليبيا والسودان وأمن الطاقة
وقد تمتد المباحثات إلى العلاقات العسكرية بين القاهرة وواشنطن في ظل أهمية مصر الاستراتيجية بالنسبة للتوازنات الإقليمية
لكن الأهم أن أي ترتيبات جديدة في المنطقة لن تكون بمعزل عن المصالح المصرية وثوابت الأمن القومي التي تؤكد القاهرة باستمرار أنها غير قابلة للمساومة
وهنا يظهر التشبيه التاريخي مع التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة بعد حرب أكتوبر حيث انتقلت مصر من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مرحلة التفاوض السياسي وهي تمتلك أوراق قوة فرضتها نتائج الحرب والواقع الإقليمي الجديد
أما اليوم فإن أدوات القوة أصبحت أكثر تنوعا وتشمل الجيش والاقتصاد والموقع الجغرافي وشبكة العلاقات الدولية والقدرة على التأثير في ملفات المنطقة
ولهذا فإن الحديث عن كامب ديفيد جديدة لا ينبغي أن يفهم باعتباره تكرارا حرفيا لتاريخ مضى وإنما باعتباره تعبيرا عن احتمال ظهور ترتيبات سياسية وأمنية جديدة في الشرق الأوسط
وإذا كانت المنطقة تتجه بالفعل إلى مرحلة جديدة من التسويات فإن السؤال الأهم لن يكون من يفرض شروطه على الآخر بل كيف يمكن الوصول إلى اتفاقات تحقق السلام وتحافظ في الوقت نفسه على الحقوق العربية والأمن القومي المصري
مصر لا تبحث عن الحرب لكنها في الوقت ذاته لا تقبل أن يكون السلام على حساب أمنها أو حقوق شعوب المنطقة
وتبقى الرسالة المصرية واضحة
السلام العادل هو الخيار الأول
والحلول السياسية هي الطريق الأفضل
لكن الأمن القومي المصري يظل خطا أحمر لا يمكن تجاوزه
وفي النهاية فإن ما تشهده المنطقة قد يكون مقدمة لمرحلة سياسية جديدة تختلف كثيرا عن السنوات الماضية وقد تكون القاهرة واحدة من أهم العواصم التي ستشارك في صياغة ملامح هذه المرحلة بما تمتلكه من ثقل سياسي وعسكري وجغرافي ودورها التاريخي في قضايا المنطقة
مصر تتحرك وفقا لمصالحها الوطنية
وتبحث عن السلام من موقع القوة
وتؤكد أن أمنها القومي وسيادتها وحقوق شعوب المنطقة ليست أوراقا قابلة للمساومة








