منوعات
حين أصبح الهاتف مرآةً لانحراف المجتمع… إلى أين نحن ذاهبون؟

حجم الخط:
أحيانًا أجلس مع نفسي وأسأل: ماذا يحدث لنا؟ وإلى أين نذهب؟
كل يوم، بل كل ساعة وكل دقيقة، نسمع ونشاهد أخبارًا تجعل الإنسان يقف حائرًا أمام ما يحدث في مجتمعنا. أخبار عن قتل، واعتداء، وسب وقذف، ونفاق، وغش، وتحرش، وخلافات أسرية، وانتهاك للخصوصية، ومشاهد وألفاظ لم نكن نتصور أن تصبح يومًا جزءًا من حياتنا اليومية.
نرى ذلك في البيوت، وفي الشوارع، وفي وسائل المواصلات، وفي المدارس، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.
فنقف ونسأل أنفسنا: هل هذه هي الأخلاق التي تعلمناها؟ هل هكذا تربينا؟ وهل هذا هو الدين الذي عرفناه؟
أين ذهبت الرحمة؟
أين ذهب الحياء؟
أين ذهبت النخوة والجدعنة والرجولة؟
أين ذهب احترام الكبير ورحمة الصغير وحفظ كرامة الإنسان؟
لقد تربينا على أن الجار له حرمة، وأن المرأة لها احترام، وأن الكبير له تقدي@ر، وأن الخلاف لا يبرر الإهانة، وأن الإنسان لا يشهر بأخيه ولا يفضحه ولا يعتدي على خصوصيته.
وتعلمنا من ديننا أن الكلمة مسؤولية، وأن الظلم ظلمات، وأن الإنسان محاسب على ما يقول ويفعل.
وتعلمنا من رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أن الأخلاق ليست كلامًا نقوله، وإنما سلوك نعيشه.
لكن ماذا نرى اليوم؟
نرى بعض الأشخاص يستخدمون الهاتف وكأنه سلاح، يسبون ويقذفون ويشهّرون بالناس، ويخوضون في أعراضهم، وينشرون أسرارهم، ويصنعون من الخلافات الشخصية قضية عامة.
ونرى آخرين يبحثون عن المشاهدات بأي ثمن، حتى أصبح بعضهم مستعدًا لتصوير حياته الخاصة، أو أسرته، أو أبنائه، أو زوجته، أو خلافاته، أو حتى لحظات يفترض أن تبقى داخل البيت، من أجل مشاهدات أو إعجابات أو مقابل مادي.
وهنا يجب أن نسأل: هل أصبح المال والمشاهدات أغلى من الكرامة؟
وماذا عن أطفالنا وشبابنا وفتياتنا؟
الطفل الذي يفتح الهاتف اليوم يستطيع خلال دقائق أن يصل إلى محتوى لم يكن من الممكن أن يصل إليه في الماضي إلا بعد سنوات.
مشاهد عنيفة، وألفاظ سيئة، وإيحاءات جنسية، ومحتوى يستخف بالأسرة والقيم، ومقاطع تقدم الخطأ وكأنه شيء طبيعي، ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا تغير أبناؤنا؟
الحقيقة أننا لا نستطيع أن نلوم أبناءنا وحدهم.
نحن من أعطيناهم الهاتف، ونحن من تركنا الباب مفتوحًا، ونحن أحيانًا من نصنع لهم القدوة الخطأ أمام أعينهم.
وسائل التواصل الاجتماعي ليست شرًا في ذاتها.
ففيها العلم، والتعليم، والعمل، والتجارة، والتواصل، ونشر الخير، ومساعدة المحتاج، والتوعية، والدعوة، والتعلم.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستخدام من وسيلة نافعة إلى وسيلة لهدم الإنسان والأسرة والمجتمع.
الهاتف ليس هو الشيطان.
الشيطان الحقيقي هو أن نستخدم نعمة التكنولوجيا في إيذاء الناس بدل نفعهم، وفي نشر الفاحشة بدل نشر الخير، وفي هدم البيوت بدل إصلاحها.
ونحن نرى أيضًا ظواهر مؤلمة في الشوارع ووسائل المواصلات؛ تحرشًا لفظيًا أو جسديًا، ومعاكسات، وتجاوزات، وتصرفات تخدش الحياء العام.
وهنا لا يكفي أن نقول: “أين الأمن؟”
نعم، وجود القانون والرقابة أمر ضروري، وأجهزة الدولة تقوم بدورها، لكن لا يمكن لأي جهاز أمني في العالم أن يقف خلف كل إنسان في كل لحظة.
الأمن الحقيقي يبدأ من داخل الإنسان.
إذا كان الإنسان يخاف الله، ويحترم القانون، ويحترم نفسه وأهله ومجتمعه، فلن يحتاج إلى شرطي يقف بجواره طوال الوقت.
لقد أصبحنا أحيانًا نرى تدخل الجهات المختصة في جرائم ومشكلات لم تكن تخطر على بالنا، ثم تتكرر المشكلة من جديد.
وهنا لا بد أن نفكر في أصل المشكلة.
هل نحن أمام أزمة قانون فقط؟
أم أننا أمام أزمة تربية وأخلاق ووعي؟
أنا لا أريد أن أعيش في زمن نخاف فيه من الهاتف على أبنائنا، ولا في زمن تخاف فيه الأسرة من نشر صورة أو مقطع، ولا في زمن يصبح فيه الخلاف بين شخصين مادة للتشهير والفضيحة على الإنترنت.
لا أريد أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها الإنسان مشهورًا لأنه أساء، أو حصل على آلاف المشاهدات لأنه أهان، أو حقق المال لأنه عرض خصوصيات بيته أمام الناس.
ليس كل ما يمكن تصويره يستحق أن يُصوَّر، وليس كل ما يمكن نشره يستحق أن يُنشر.
علينا أن نتوقف قليلًا.
أن نراجع أنفسنا.
أن نسأل قبل أن نكتب أو نصور أو ننشر:
هل ما أفعله يرضي الله؟
هل يرضي ضميري؟
هل أقبل أن يفعله أحد بأبي أو أمي أو زوجتي أو ابنتي أو ابني؟
هل أقبل أن أرى هذا المقطع منشورًا عن أحد أفراد أسرتي؟
إذا كانت الإجابة لا، فلماذا نفعله بالآخرين؟
نحن بحاجة إلى العودة إلى زمن كانت فيه الكلمة لها قيمة، والجيرة لها حرمة، والبيت له خصوصية، والصديق له مكانة، والاختلاف لا يعني العداوة، والرجولة تعني الوقوف بجانب الضعيف لا استغلاله.
نحن بحاجة إلى أن نعيد لأبنائنا معنى الحياء والاحترام والمسؤولية.
ونحن بحاجة قبل ذلك إلى أن نبدأ بأنفسنا.
فلا يمكن أن نطلب من أبنائنا ألا يشاهدوا المحتوى السيئ ونحن نشاهده أمامهم.
ولا يمكن أن نطلب منهم احترام الناس ونحن نسب الآخرين أمامهم.
ولا يمكن أن نطلب منهم عدم التنمر ونحن نسخر من الناس على مواقع التواصل.
الأب والأم والمدرسة والمسجد والإعلام والمجتمع جميعهم شركاء في صناعة الإنسان.
وفي النهاية، ربما المشكلة ليست في أن التكنولوجيا تقدمت.
المشكلة أن التكنولوجيا تقدمت بسرعة أكبر من قدرتنا على التعامل معها أخلاقيًا.
فأصبح في يد الطفل هاتف أقوى من كثير من وسائل الإعلام، وأصبح بإمكان أي شخص أن يصل إلى ملايين الناس بضغطة زر.
وهنا يأتي السؤال الأصعب:
هل سنستخدم هذه القوة في الخير أم في الشر؟
هل سنجعل الهاتف وسيلة للتعلم والعمل ومساعدة الناس ونشر الخير؟
أم نجعله بابًا لهدم البيوت ونشر الفضائح وإفساد الأخلاق؟
القرار في النهاية ليس قرار الهاتف.
القرار قرار الإنسان.
فلنستيقظ قبل أن يصبح ما نراه اليوم أمرًا طبيعيًا في حياة أبنائنا غدًا.
فلنحافظ على بيوتنا، وعلى أبنائنا، وعلى بناتنا، وعلى مجتمعنا.
ولنعد إلى أخلاقنا التي تربينا عليها، وإلى ديننا الذي علمنا الرحمة والستر والحياء وحفظ الحقوق.
فالمجتمع لا يسقط فجأة… وإنما يبدأ سقوطه عندما تصبح الأخلاق شيئًا قديمًا لا نهتم به.
والسؤال الذي أتركه لكل أب وأم وشاب وفتاة:
إذا استمررنا على هذا الطريق، فكيف سيكون شكل مجتمعنا بعد عشر سنوات؟
وهل سنكون نحن من أنقذ أبناءنا…
أم سنكون نحن من سلّمهم الطريق؟








