شئون دولية
حرب العقول.. تحول الشعوب من دروع للأوطان إلى ساحات للمعارك

حجم الخط:
يحمل التحليل المعاصر لملف الأمن القومي قراءة مغايرة تماماً لطبيعة الصراعات الدولية، وهو ما يتبدى جلياً عند تفكيك أبعاد المقال الأخير لمعالي اللواء أركان حرب الدكتور سمير فرج، الذي يضع يده فيه على جرح الواقع مبيناً أن الحروب المعاصرة لم تعد مجرد مواجهات عسكرية تقليدية تحتدم في ساحات القتال، تنتهي بانتصار جيش مدرع وهزيمة آخر؛ بل تحولت في جوهرها وفلسفتها الحديثة إلى معارك خفية صامتة، تدور رحاها في عمق الوعي الإنساني، وتستهدف العقول والوجدان والهوية. وإذا كان التاريخ العسكري قد سجل فخر العسكرية المصرية بنشأة أول جيش نظامي عرفته البشرية في عصر الفراعنة، حيث كانت الحروب تُخاض بالمواجهة المباشرة بالسيف والدرع والعجلات الحربية كصورة حية لـ “حروب الجيل الأول”، فإن آلة الحرب لم تتوقف يوماً عن التطور والتحور. فقد انتقلت البشرية مع اختراع الصينيين للبارود وتطويره عسكرياً إلى عصر “الجيل الثاني” المعتمد على البنادق والمدافع والمناورات الخطية كما ظهر في الحروب النابليونية، ثم قفزت إلى “الجيل الثالث” الذي توجته التكنولوجيا الثقيلة من دبابات وطائرات وغواصات ومدمرات خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها. ومع تزايد الكلفة البشرية والمادية الباهظة للمواجهات المباشرة، بدأت القوى الكبرى في تغيير استراتيجياتها بعد خسائرها الفادحة في مستنقع فيتنام التي أودت بحياة 59 ألف مقاتل أمريكي، ليقرر مجلس الأمن القومي الأمريكي تجنب إرسال الجنود، والاعتماد على نمط “الحرب بالوكالة”، وهو ما تجلى في دعم المجاهدين بالأموال والسلاح عبر أسامة بن لادن لمواجهة التمدد السوفييتي في أفغانستان، وهي الخطوة التي أفرزت لاحقاً تنظيمات إرهابية عابرة للحدود كـ “تنظيم القاعدة”، ومن بطنه خرج أبو مصعب الزرقاوي ليؤسس نواة تنظيم “داعش” في العراق والشرق الأوسط، ممهداً الأرض لأخطر وأشرس أنماط الصراعات الحديثة: حروب الجيلين الرابع والخامس.
إن النقطة الفلسفية الفاصلة التي أسست لهذا الفكر التدميري الجديد تنبع من حقيقة استراتيجية صاغتها المعاهد العسكرية الدولية، ومنها كلية الدفاع في بروكسيل، مفادها أن إسقاط الدول لا يتطلب بالضرورة تدمير جيوشها أو احتلال أرضها بالمدفع والدبابة والطائرة. ولعل في قراءة أحداث حرب الخامس من يونيو 1967 (حرب الأيام الستة) بين مصر وإسرائيل برهان ودليل؛ فرغم تدمير حوالي 80% من أسلحة وعتاد الجيش المصري في ضربة خاطفة، لم تسقط الدولة المصرية، ولن تسقط، لأن الشعب خرج متمسكاً ببلاده وأعاد الرئيس جمال عبد الناصر إلى الحكم بعد تنحيه، واحتضن جيشه وسانده في معركة إعادة البناء. من هذه التجربة التاريخية الفريدة، أدرك صناع الحروب أن مفتاح إسقاط الأوطان يكمن في “هزيمة فكر الشعب” وإفقاده الثقة في حكومته وإدارته وجيشه، فإن هُزم الشعب داخلياً وتملكه اليأس، سقطت الدولة تلقائياً من الداخل دون الحاجة إلى تحريك فصيل عسكري واحد. تداخل التكنولوجيا الحديثة والفضاء الرقمي لتنفيذ هذا المخطط التدميري، ينقلنا مباشرة إلى مربع حروب الجيل الخامس، حيث يصبح الفضاء السيبراني هو مسرح العمليات الرئيسي.
وتتجلى آليات هذه الحروب الحديثة في ثلاثة محاور رئيسية تعمل بتناغم شديد وتخطيط استخباراتي متقن لتفتيت المجتمعات وإحداث الانقسام الداخلي، أولها سلاح “الكتائب الإلكترونية” والقرى الرقمية المعزولة، وهي القوة الضاربة في الفضاء الافتراضي؛ حيث يعمد فرد واحد موجه ومحترف إلى إدارة أكثر من 100 حساب رقمي وهمي، يتخفى من خلالها وراء أسماء جاذبة تحاكي كافة رغبات واهتمامات المجتمع، فمنها حسابات باسم النادي الأهلي أو الزمالك، أو باسم النجم محمد صلاح تعرض أهدافه ولمحاته الإنسانية، ومنها حسابات تجذب السيدات عبر وصفات الطهي والموضة، وحسابات للفنانين وصور أفلامهم، وصولاً إلى صفحات دينية تعرض الفتاوى والمفاهيم. يلتف المواطنون بمختلف أطيافهم حول الحسابات التي يفضلونها، لتبدأ عملية زج السموم والإشاعات والأخبار المغلوطة بنعومة فائقة وسط هذا المحتوى الجاذب. تستهدف هذه المنصات ضرب مصداقية المؤسسات السيادية كالشرطة والقضاء، وتشويه المنابر الدينية الإسلامية والمسيحية، وإثارة النعرات العرقية والجهوية كخلق الفتن حول أهالي النوبة ومشكلاتهم، واختلاق أخبار كاذبة تثبط العزائم مثل إشاعات زيادة مدة التجنيد للمؤهلات العليا، بهدف إحداث فجوة عداوة وبلبلة دائمين بين المواطن ومؤسسات دولته.
ويتمثل المحور الثاني في الحرب الإدارية والنفسية عبر قوى التعطيل والبيروقراطية المفتعلة، حيث يرتكز هذا التكتيك على اختراق الجهاز الإداري للدولة من خلال عناصر موجهة تتبع تكتيكات جماعة الإخوان المسلمين، إذ يصدر التنبيه لجميع أعضاء الجماعة أو المتعاطفين معها في المناصب الحكومية بضرورة تعطيل مصالح الجمهور اليومية. يذهب المواطن لاستخراج شهادة أو وثيقة رسمية، فيصطدم بعبارات محبطة ومكررة مثل “السيستم عطلان”، أو “الموظف المسؤول غائب”، أو “الختم ليس موجوداً.. تعال غداً”، وهذا التعطيل المتعمد لا يهدف إلى التكاسل الوظيفي التقليدي، بل هو أداة حرب نفسية مدروسة لدفع المواطن إلى الضيق واليأس والاحتقان، حتى يصل إلى قناعة وهمية ومغرضة بغياب الدولة والكيان، مما يفقده الثقة تماماً في قدرة حكومته.
أما المحور الثالث فيقودنا إلى تدمير الطاقة البشرية الحية عبر سلاح المخدرات المستحدثة، فلم تعد تجارة المخدرات مجرد نشاط إجرامي للربح المالي، بل غدت أداة استراتيجية معتمدة لتدمير القوة الضاربة لأي مجتمع وهي شبابه. ولعل التاريخ القريب يكشف التوظيف السياسي لهذا السلاح؛ فأثناء مفاوضات الدوحة بين الوفد الأمريكي وعناصر حركة طالبان لتنظيم الانسحاب من أفغانستان، طلبت أمريكا وقف زراعة الحشيش والأفيون مقابل تعويضات مالية حكومية بديلة، ووافقت الحركة آنذاك، ولكن بمجرد انسحاب القوات الأمريكية وتولي طالبان السلطة الكاملة، عادت زراعة وتصدير المخدرات بقوة، وعند مواجهتهم بالسبب، أعلنوا صراحة أن المخدرات هي السلاح الأكبر والأرخص لتدمير عقول الشباب الأمريكي والغربي الذي يعتبرونه عدوهم الأول؛ مما يبرهن على أن إغراق المجتمعات بالمواد المخدرة والمستحدثة هو أحد أركان حروب الجيلين الرابع والخامس لشل حركات الإنتاج وتدمير البنية البشرية للدول.
أمام هذا الخطر الوجودي الداهم الذي يهدد كيانات الدول واستقرارها من الداخل، تصبح المواجهة وحماية الأمن القومي فرض عين، وتتلخص استراتيجية الدفاع الشامل في كلمة واحدة حاسمة متكررة ثلاثاً دلالة على الأهمية والضرورة القصوى وهي “التوعية، التوعية, التوعية”. إن بناء حائط صد فكري متين يتطلب أولاً وعياً فردياً راسخاً، يمنع المواطن من أن يكون أداة في يد أعدائه، فلا يقوم بنشر أو ترديد أي إشاعة أو خبر مجهول عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلا بعد التثبت والتدقيق الكامل من المصادر الرسمية. وعلى المستوى المؤسسي والتكاملي، يقع العبء الأكبر على مسارات رئيسية ثلاثة، أولها المسار الإعلامي والرقابة الرقمية، وهو ما يتطلب من الإعلام التقليدي المرئي والمسموع والمكتوب الخروج من الأطر النمطية وصياغة محتوى جاذب يفند الأكاذيب فوراً، مع تدشين منصات إعلامية إلكترونية كبرى تنتهج خططاً علمية ممنهجة واستباقية، ترد على الشائعات بالحقائق والأرقام، وتستغل كافة وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى المواطن في مساحته الرقمية الخاصة.
ويأتي المسار التعليمي والتربوي كخط دفاع ثانٍ من خلال تفعيل دور المدارس والجامعات عبر إدراج مادة الوعي الاستراتيجي، وتنظيم اللقاءات الدورية والمؤتمرات التفاعلية، وفتح نقاشات حرة وصريحة مع الشباب لمساعدتهم على قراءة وتفكيك الرسائل المبطنة التي تستهدف عقولهم. ويتكامل هذا الجهد مع المسار المجتمعي والثقافي عبر تحريك أدوار منابر الدين في كل جامع وكنيسة لربط الوعي الوطني بالأمانة الدينية، جنباً إلى جنب مع تفعيل مراكز الشباب وقصور الثقافة في المحافظات والقرى لتقوم بتنظيم جلسات ومحاضرات توعية مستمرة، تهدف إلى إيضاح الحقائق، وبناء عقل مواطن واعٍ، قادر على التمييز بين النقد البناء والإشاعة الهادمة.
ستظل حروب الجيلين الرابع والخامس هي الأسلوب المفضل لتدمير الدول من الخارج في العصر الحالي والمستقبل القريب دون تكبد مشقة تحريك الجيوش، حيث أصبحت المواجهة مباشرة مع عقل المواطن وفكره؛ ولهذا، فإن الوعي واليقظة المجتمعية ليسا مجرد رفاهية ثقافية، بل هما خط الدفاع الأول والأخير لحفظ أمن الأوطان وصون استقرار الشعوب








