ان ينهض المعنى حين يتعب العالم

في زمن يزداد فيه الضجيج حتى يكاد يبتلع الفكرة ويعلو فيه الايقاع حتى يفقد الانسان قدرته على السماع ينهض المعنى كحاجة لا كترف وكضرورة لا كخيار فالانسان لا يعيش بالسرعة وحدها ولا ينجو بالتكيف الاعمى بل يبقى بقدر ما يفهم وبقدر ما يحافظ على جوهره وسط موجات التغيير المتلاحقة العالم اليوم لا يمنح وقتا للتأمل ولا يفسح مجالا للبطء ومع ذلك فان اكثر القرارات حكمة
تولد في لحظات الصمت التي يختارها الانسان عن قصد ليعيد ترتيب داخله قبل ان يواصل السير المعنى هنا ليس فكرة مجردة بل ممارسة يومية في طريقة العمل في اسلوب الحوار في احترام الاختلاف في القدرة على قول لا حين يصبح الصمت خيانة وفي اختيار نعم حين يكون الخوف اسهل من الشجاعة الانسان المعاصر محاط بوفرة الخيارات لكنه يفتقر الى البوصلة فيتعلم بالتجربة ان
الحرية دون وعي تتحول الى عبء وان المعرفة دون اخلاق تفقد اتجاهها وان القوة دون رحمة تصبح هشاشة مقنعة في هذا السياق ينهض المعنى كقيمة جامعة تلم شتات الروح وتعيد وصل ما انقطع بين العقل والقلب وبين الفرد والمجتمع وبين الحلم والواقع المعنى لا يطلب الكمال بل الصدق ولا يفرض اجابة واحدة بل يدعو الى سؤال افضل ولا يعد بالخلاص السريع بل يقترح طريقا يمكن السير
فيه بثبات الانسان حين يتمسك بالمعنى لا يصبح معزولا عن العالم بل اكثر حضورا فيه يرى التفاصيل التي يتجاوزها المستعجل ويقرأ ما بين السطور ويميز بين اللمعان العابر والقيمة الباقية يدرك ان النجاح الحقيقي هو الذي لا يطالبه بالتخلي عن نفسه وان التقدم الذي يهمل الانسان يعود عليه بالخسارة وان المستقبل الذي لا يحترم الذاكرة يكرر اخطاءها في صورة جديدة المعنى ينهض حين
يختار الانسان العمل المتقن بدل الضجيج والعدل بدل الانتقام والحوار بدل الاقصاء والامل العملي بدل الوعود الفارغة ينهض حين تصبح الكرامة قاعدة لا استثناء وحين يتحول الاختلاف الى طاقة بناء لا سبب هدم وحين يفهم الفرد ان اثره مهما بدا صغيرا يتراكم ليصنع اتجاها عاما في زمن التحولات الكبرى ومع تراكم الايام يدرك الانسان ان المعنى ليس شعارا يرفع في المناسبات ولا خطابا يقال
عند الازمات بل سلوك ثابت يظهر في التفاصيل الصغيرة في النزاهة حين لا يراقب احد في الرحمة حين تكون القسوة اسهل في الالتزام حين يكون الانسحاب مغريا وفي الصبر حين يبدو اليأس منطقيا وهنا فقط يصبح المعنى طاقة حياة تعيد للانسان قدرته على النهوض لا ليغلب غيره بل ليغلب اليأس ولا ليهيمن بل ليشارك ولا ليهرب من الواقع بل ليغيره خطوة خطوة بوعي ثابت
ومسؤولية صادقة وحين يتعب العالم من تناقضاته يبقى المعنى هو ما يصمد ويبقى الانسان الذي يحمله شاهدا على ان القيم لا تشيخ وان الصدق لا يضيع وان الاثر الحقيقي لا يحتاج ضجيجا ليبقى بل يحتاج انسانا قرر ان يعيش بما يؤمن
به حتى النهاية








