المطبخ في مصر القديمة

تحت رعاية الأستاذ الدكتور. / علاء عبدالهادى ” رئيس النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر ، الأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب ” نظمت لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر ، برئاسة الكاتب والباحث / عبدالله مهدى ، ندوة رفيعة المستوى جاءت تحت عنوان ( المطبخ في مصر القديمة ).
وقد استهل الكاتب والباحث / عبدالله مهدى وقائع الندوة بترحيب حار بالحضور الكريم الذين انتصروا لإرثنا الحضاري الخالد، مستدعياً كلمات جليلة لعلماء مصريات كبار للرد الفوري على كل هؤلاء الذين يعبثون عن جهل أو قصد في هويتنا الوطنية الراسخة. واستشهد بكلمات الدكتور / محمد حسين هيكل التي خطها في مقدمة كتاب ( قصص البردي ) للكاتب حسين صبحي في جريدة الصباح بمصر في الصفحة السادسة، والتي كشف فيها ببراعة عن سر بقاء واستمرار الشخصية المصرية الأصيلة ذات الجذور الممتدة بعمق في التاريخ المصري العريق، مؤكداً أنه ما دام النيل جارياً، وما دامت سماء مصر صافية، وما دامت هذه الطبيعة الباقية في هذا الوادي العظيم، وما دام أناس يقيمون فيه، فإن الأجداد يورثون الأحفاد ما سكبته طبيعة الوادي في وجودهم من حياة نفسية فريدة، حتى وإن تأثرت بمظاهر العيش وألوان التفكير وصور الحكم، فستظل أبداً أكثر خضوعاً للسلائق الفطرية المتحكمة في كيان الإنسانية والتي لم تتغير منذ خلق الله الإنسان إلى يومنا هذا، ولا شيء يدل على أنها ستتغير ما دام الإنسان إنساناً. كما ذكر الكاتب والباحث / عبدالله مهدى ما أورده الأستاذ الدكتور / عبدالعزيز صالح في الجزء الأول من كتابه القيم ” حضارة مصر القديمة وآثارها ” الصادر عن القاهرة – الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية عام ١٩٦٢ ميلادية، في الصفحة الثانية والثلاثين، بأنه لا تزال لبانة المجتمع المصري الحالي هي ذاتها لبانة المجتمع المصري القديم، من حيث الدم، والهيئة، والقامة، ولون البشرة، مع كل ما فيها من فوارق ضمنية في الخلقة بين فرد وآخر وأسرة وأخرى.
وأكد الكاتب والباحث / عبدالله مهدى بأن نفراً من كبار الباحثين في علم المصريات قد أكدوا وجود عشرات الملامح الاجتماعية والثقافية والتقاليد والعادات والألفاظ والأفكار المتجذرة التي تبدأ من المحراث ولا تنتهي عند شم النسيم، ومن وفاء النيل الخالد حتى طقوس الختان، فالماضي العريق دائماً يعيش في الحاضر ويرقد خلفه بكل جلال، لتظل مصر الأبية هي المهد والمدخل والأساس الأصيل لعلم وفن الطهي عبر العصور.
وتوالت فصول اللقاء الثقافي البديع حين تناول الكلمة الشيف / بدر الخطيب الباحث في مصر القديمة، ليحكي عن سر وعمق اهتمامه الاستثنائي بالحضارة المصرية القديمة، موضحاً أن نشأته في حضن آثار الأقصر الخالدة، حيث عمل والده كبيراً لمفتشي الآثار بالوجه القبلي، وسكنوا في استراحة الآثار الساحرة على ضفاف نهر النيل الخالد في مواجهة الشارع المؤدي في نهايته إلى معبد الكرنك العظيم، كان لها الأثر الأعظم؛ ووصف لنا بأسلوب أدبي جمال هذا المسكن وروعته الخلابة. كما كان لوالده عالم الآثار الكبير دور رئيس لا ينسى في زرع عشق الحضارة المصرية القديمة في نفوس أولاده ومنهم بدر، وهو الشغف الذي تجلى بوضوح تام بعد ذلك في ربطه الفريد بين عمله الميداني بالمطبخ كشيف متميز وبين ما رآه ولمسه من خلال معايير وتفاصيل حضارته العريقة، الأمر الذي أثمر مؤلفاً قيماً ومبهراً عن ( جذور المطبخ ” مصر القديمة مهد فن الطهي الحديث ” ).
وقد دلل الشيف / بدر الخطيب بالأدلة القاطعة على أن مصر القديمة كانت هي البداية الحقيقية والمهد الأول لفنون الطهي الحديثة المستخدمة اليوم؛ حيث عرفوا الشواء على النار المباشرة، أو على البلاطة الساخنة، والتحميص والخبز والقلي والسوتيه، وهي طرق الطهي المتميزة بالحرارة الجافة، كما برعوا في السلق، والسلق البطيء، والسلق على نار هادئة، والطهي على البخار، وهي طرق الطهي المعتمدة على الحرارة الرطبة، فضلاً عن ابتكارهم طريقتي التطجين والتتميس اللتين تمثلان مزيجاً متقناً من طريقتي الطهي بالحرارة الجافة والرطبة معاً. ولم يتوقف إبداعهم عند هذا الحد، بل طحنوا الحبوب بمهارة وخبزوها فصنعوا منها ما لا حصر ولا عد له من أنواع الخبز والكعك والفطائر والحلوى الشهية، كما ابتكر المصري القديم الأسلوب العبقري في استخدام البذور المنبتة، فنبت البقول والحبوب وأكلها طازجة أو مطهية أو مخلوطة بعناية مع الدقيق في تركيبات متنوعة لبعض أنواع الخبز والفطائر.
وأكد الشيف / بدر الخطيب بثقة وثبات أن المصريين القدماء هم الرواد الأوائل ومهد فن الجزارة الرفيع، فقد وثقوا نحر الحيوان من رقبته بقطع الشريانين الرئيسيين الصاعدين إلى الدماغ بدقة بالغة، وهي ذاتها طريقة الذبح الرحيم التي يندفع معها الأدرينالين المفيد إلى الجسم كله لمنع إحساس الحيوان بأي ألم، ودلل الشيف على كلامه الموثق بعرض صور حية وموثقة على جدران المقابر والمعابد توضح هذه الرؤية العلمية والتاريخية العميقة. وتحدث كذلك عما سجله أجدادنا القدماء بكل فخر على جدران المعابد والمقابر، وما عثر عليه في الكثير من الحفائر الأثرية من أدوات طهي متطورة استخدموها ببراعة، كالسكاكين بمختلف أنواعها، وكذلك “المفارك” التي تعد النواة والمهد الأول لصنع الخلاط الحديث، والهون، والرحاية ذات القلب المصقول المخصصة لطحن التوابل بعناية، والرحاية خشنة السطح المخصصة لطحن الحبوب والبقول بكفاءة عالية.
ودلل الشيف بدر أيضاً على أن الطاهي المصري القديم كان أول من استخدم غطاء للرأس على هيئة “هيرنت” مهني وأنيق حتى لا يقع الشعر في العجين أثناء الإعداد، كما عرف المصري القديم الأطباق وأدوات المائدة المتكاملة، والموازين والمكاييل الدقيقة، فضلاً عن الاعتماد على شتى أنواع الأعشاب والبهارات العطرية.
وفي مشهد يعكس تضافر الرؤى، شارك بفعالية كبيرة رئيس النقابة المهنية للسياحيين المهندس / حمدى عز، مؤكداً بكل اعتزاز بأن المصريين هم أصحاب الفكرة الأولى والريادة المطلقة في كل مفردات حياتنا ومنها طرق الطهي المتنوعة والمبتكرة، وأعلن النقيب المهندس / حمدى عز رسمياً عن تنظيم مهرجان سنوي فريد من نوعه مخصص لـ ( الطعام المصري القديم ) والذي ستستضيفه مدينة الأقصر العريقة، وذلك لفتح المجال الواسع أمام ابتكار وطرح طرق غذائية سياحية جديدة ومبتكرة تساهم بفاعلية في جذب السياح من شتى بقاع الأرض إلى أرض الكنانة المصرية.
وعقب ذلك، سمح الكاتب والباحث / عبدالله مهدى، رئيس لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر ومقدم الندوة، بفتح باب المداخلات القيمة للحضور؛ فشارك الأستاذ الدكتور / ناصر مكاوي أستاذ الآثار المصرية القديمة بكلية آثار القاهرة بمداخلة علمية رصينة أكد خلالها على ضرورة توخي أقصى درجات الحذر من جانب أي باحث عند استخدامه لأي دليل تاريخي، بحيث يراعي بدقة لوازم البحث العلمي الصحيح وأصوله المنهجية. كما أكد الأستاذ الدكتور / محمد غنيم وكيل كلية فنون جميلة جامعة المنيا على القيمة الحضارية العظيمة لمصر، والتي خلدها شاعر النيل حافظ إبراهيم في قصيدته الخالدة ورائعته الشعرية ( مصر تتحدث عن نفسها ).
لقد توجت هذه الندوة الثقافية الرائعة حول ( المطبخ في مصر القديمة ) بتأكيد قاطع مفاده أن المطبخ المصري المعاصر بملامحه الحالية قد استوعب وتكامل مع المطبخ في مصر القديمة، والمطبخ القبطي، والمطبخ العربي الإسلامي، والمطبخ الأفريقي، والمطبخ المتوسطي، لتنصهر جميع هذه الروافد العريقة والثريات الثقافية بانسجام تام وتكون معاً هويتنا المتميزة في مطبخنا الحالي.








