الدين الإبراهيمى بين خطاب التسامح وحسابات السياسة الدولية.. هل تتحول الأديان إلى أوراق فى صراع النفوذ؟

لم تعد الصراعات الدولية تدار بالسلاح والاقتصاد والتحالفات العسكرية وحدها بل أصبحت الهوية الدينية والثقافية إحدى الأدوات التي تتنافس القوى الكبرى على توظيفها لتحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية
وفي ظل الحديث المتزايد عن مفهوم الديانة الإبراهيمية يبرز تساؤل مهم حول حقيقة الأهداف السياسية وراء الترويج لهذا المصطلح وهل نحن أمام دعوة للتعايش والتسامح بين أتباع الديانات السماوية أم أمام مشروع سياسي قد تتجاوز أهدافه حدود الحوار الديني إلى إعادة تشكيل مفاهيم الهوية والانتماء في منطقة الشرق الأوسط
من المهم هنا أن نفرق بين الدعوة إلى التعايش السلمي واحترام أصحاب الديانات المختلفة وبين محاولة إنشاء إطار عقائدي موحد يذيب الفوارق بين الأديان ومعتقداتها فالتسامح لا يعني التخلي عن العقيدة والحوار لا يعني التنازل عن الثوابت الدينية
إن الإسلام يدعو إلى العدل والبر والقسط وحسن التعامل مع الآخرين ويحترم حق الإنسان في الاعتقاد لكنه في الوقت نفسه يمتلك عقيدته المستقلة ومرجعيته الواضحة التي لا يمكن اختزالها في مشروع سياسي أو صيغة دينية جديدة
ومن زاوية أخرى فإن صعود شخصيات مسلمة إلى مواقع سياسية وإدارية مؤثرة في الولايات المتحدة الأمريكية لا ينبغي أن يكون محل اتهام لمجرد انتمائها الديني فالمناصب العامة حق سياسي تحكمه الكفاءة والقانون والاختيار الديمقراطي لكن المعيار الحقيقي للحكم على أي شخصية هو مواقفها وقراراتها ومدى التزامها بالمبادئ التي تعلنها وليس اسمها أو مظهرها أو ديانتها
وهنا تكمن أهمية الوعي السياسي فلا ينبغي أن نمنح الثقة المطلقة لأي شخصية لمجرد أنها تحمل اسمًا عربيًا أو تنتمي إلى الإسلام كما لا يجوز اتهامها بالخيانة أو التآمر دون أدلة ووقائع واضحة
إن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول التسامح الديني إلى وسيلة للضغط على المجتمعات للتنازل عن هويتها أو عندما يتم توظيف الرموز الدينية لتسويق سياسات لا تخدم مصالح الشعوب
كما أن المنطقة العربية تمر بمرحلة شديدة الحساسية تتشابك فيها المصالح الدولية والإقليمية وتتصاعد فيها محاولات إعادة ترتيب موازين القوى ولذلك يجب أن تكون مصر ودول المنطقة أكثر تمسكًا بوعيها الوطني والديني وأكثر قدرة على قراءة المشروعات السياسية بعيدًا عن الشعارات البراقة
فليس كل من يرفع شعار السلام يريد بالضرورة سلامًا عادلًا وليس كل مشروع يحمل اسم التعايش يخلو من الحسابات السياسية كما أن الاختلاف الديني لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للكراهية أو الصراع بين الشعوب
إن حماية العقيدة لا تكون بإطلاق الاتهامات وإنما بالعلم والوعي والتمسك بالثوابت ومواجهة الأفكار بالحجة والمعرفة والتمييز بين الحوار المحترم ومحاولات توظيف الدين في الصراعات السياسية
والخلاصة أن الأديان ليست أدوات في يد القوى الدولية وأن عقائد الشعوب ليست أوراقًا على طاولة المفاوضات وأن السلام الحقيقي لا يتحقق بإلغاء الهويات أو إذابة العقائد وإنما باحترام حق كل إنسان في الإيمان والاعتقاد مع رفض استخدام الدين لتحقيق الهيمنة السياسية أو فرض المصالح على الآخرين
مصر تحتاج إلى الوعي قبل الشعارات وإلى قراءة ما وراء الأحداث بعقل استراتيجي يحمي الدولة والهوية الوطنية ويحترم ثوابت الدين








