شئون دولية

الحرب الروسية الأوكرانية هل اقترب السلام أم أن الحرب ما زالت مستمرة؟

حجم الخط:

 

تحليل مقال اللواء الدكتور سمير فرج يظهر رؤية استراتيجية تفكك أبعاد الأزمة الروسية الأوكرانية مع دخولها عامها الخامس، حيث يربط الكاتب ببراعة بين التحركات الدبلوماسية الدولية، والواقع العسكري على الأرض، وانعكاسات ذلك على الجبهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مستنداً إلى خبرته العسكرية في قراءة المشهد الإقليمي والدولي، وإن كان المقال قد غلب عليه الطابع السردي التقريري في بعض جوانبه بدلاً من التوغل في التحليل النقدي المعمق لسيناريوهات ما بعد التفاوض.

والمتأمل في البناء المعماري للمقال يجد أن القراءة السياسية تتشابك فيها خيوط الصراع الدولي بشكل معقد، حيث يبرز الكاتب ثقل الدبلوماسية الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب كلاعب محوري يحاول إعادة صياغة قواعد اللعبة، وهنا يحسب للكاتب دقة رصده للسباق المحموم بين الرغبة الغربية في إظهار التماسك وتأكيد استمرارية الدعم عبر قمة الناتو في أنقرة، وبين المحاولات الأمريكية الحثيثة لتقليص الأعباء المباشرة من خلال منح كييف القدرة على التصنيع المحلي لمنظومات الدفاع الجوي باتريوت. غير أن الشقاق السياسي الحقيقي يتجسد في عقدة البروتوكول والمكان؛ فإصرار موسكو على المفاوضات داخل أراضيها مقابل الرفض الأوكراني المتمسك بالحياد الجغرافي، يعكس أزمة ثقة عميقة وصراع إرادات يرى فيه كل طرف أن مكان التفاوض هو أول التنازلات أو المكاسب الرمزية، وهو طرح رصين من الكاتب تجاوز فيه مجرد نقل الأخبار إلى تفكيك الدلالات الرمزية للمواقف السياسية. ويتضح سياسيًا أيضاً أن الإدارة الأمريكية تبحث عن نصر دبلوماسي سريع يفي بالوعود، بينما تنظر أوروبا بريبة وتوجس لأي تسوية قد تتم على حساب أمنها القومي أو تعيد رسم حدودها الشرقية بشكل يهدد استقرارها المستقبلي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، ينتقل النص بمرونة ليرصد حرب الاستنزاف والموارد التي أصبحت المحرك الأساسي لمجريات الأحداث، حيث نجحت الاستراتيجية الأوكرانية الأخيرة في نقل المعركة إلى الشريان الحيوي للاقتصاد الروسي عبر استهداف مصافي تكرير النفط في العمق، مما أحدث هزة ارتدادية غير متوقعة تجلت في أزمة وقود داخلية أجبرت موسكو على التفكير في استيراد البنزين، وقد برع الكاتب هنا في ربط العمليات العسكرية الميدانية بأثرها المباشر على حياة المواطن واقتصاد الدولة، وهو ما يعكس نظرة شمولية لا تغفل التفاصيل. وفي المقابل، تظهر الفاتورة الاقتصادية الباهظة التي يلتزم بها حلف الناتو، والمقدرة بنحو سبعين مليار يورو، كعبء مالي مستمر يضغط على ميزانيات الدول الغربية، مما يفسر التوجه نحو توطين صناعة السلاح داخل أوكرانيا كحل اقتصادي بعيد المدى لتخفيف الإنفاق المباشر. ويمتد التحليل الاقتصادي في ختام المقال ليشمل المنظومة العالمية برمتها، مؤكداً أن ارتدادات هذا الصراع تجاوزت الحدود الإقليمية لتضرب عصب أمن الطاقة وسلاسل إمداد الغذاء، مما يجعل استمرار الحرب تهديداً مباشراً للاستقرار المالي العالمي.

أما البُعد الاجتماعي والإنساني، فيتشكل من خلال إحصائيات مرعبة تعكس حجم المأساة ونزيف الدماء المستمر، ورغم أهمية الأرقام التي ساقها الكاتب بالإشارة إلى تجاوز الخسائر البشرية الروسية حاجز المليون، ووصول الخسائر الأوكرانية إلى مئات الآلاف، إلا أن المقال كان بحاجة إلى تسليط ضوء أكبر على الأبعاد النفسية والاجتماعية الطويلة المدى لتركيبة مجتمعية استُنزفت على مدار خمس سنوات، بدلاً من الاكتفاء بالرصد الرقمي التقديري. ومع ذلك، يظل رصد الكاتب للتحول الجوهري في السيكولوجية العامة لشعوب المنطقة دقيقاً للغاية، حيث بدأت ملامح الملل من الحرب تظهر بوضوح في استطلاعات الرأي التي تواترت فيها المطالب الشعبية بوقف القتال واللجوء للتفاوض بعد سنوات طويلة من الإنهاك. لقد تحول الصراع من مجرد مواجهة عسكرية إلى عبء نفسي واجتماعي ثقيل يضغط على صناع القرار؛ فالمدنيون في كييف ما زالوا يدفعون ثمن القصف الصاروخي من حياتهم وأمنهم اليومي، بينما يواجه المواطن الروسي تداعيات الحرب في تفاصيل حياته البسيطة مثل طوابير الوقود، مما يثبت أن الجبهات الداخلية بدأت تئن تحت وطأة الضغوط.

يخلص التحليل الرصين للمقال إلى أن القصف المتبادل والتصعيد العسكري الحالي ليس دليلاً على رغبة في استمرار الحرب اللانهائية، بل هو العنف الذي يسبق الهدوء، حيث يحاول كل طرف حصد أكبر قدر من الأوراق الرابحة على الأرض لترجمتها إلى شروط أفضل على طاولة المفاوضات، تأكيداً للقاعدة التاريخية والعسكرية التي ساقها الكاتب بنجاح وبصيرة نافذة بأن قوة المفاوض هي انعكاس مباشر لتفوقه في الميدان، مما يجعل المشهد الحالي بأكمله مجرد رقصة أخيرة على حافة الهاوية قبل صياغة ملامح السلام المرتقب، وهو استنتاج منطقي يتوج المقال بخاتمة قوية تفتح الباب لقراءة المستقبل بناءً على معطيات الحاضر.

زر الذهاب إلى الأعلى