الجيش المصرى بين الحقائق التاريخية وحملات التشكيك.. قراءة فى موازين القوة والصراع على النفوذ فى المنطقة

فى ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والقرن الإفريقى وحوض النيل والبحر الأحمر تتصاعد محاولات إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي من خلال الخطاب السياسي والإعلامى الذى يستهدف أحيانا التشكيك فى قدرات الدول ومؤسساتها العسكرية والتاريخية
ومن بين هذه الخطابات ما يتردد بشأن الجيش المصرى من ادعاءات تزعم أنه لم يحقق انتصارا عسكريا فى تاريخه الحديث وأنه يعانى من ضعف الروح القتالية والتراجع المعنوى وأن اهتمام قياداته ينصرف إلى المصالح الاقتصادية على حساب المهام العسكرية وهى مزاعم تحتاج إلى مراجعة موضوعية تستند إلى الوقائع التاريخية بعيدا عن التهويل أو الدعاية
فالتاريخ العسكري لا يمكن اختزاله فى رواية واحدة ولا يجوز تقييم الجيوش بمجرد أعداد الجنود أو الطائرات أو الدبابات وإنما من خلال طبيعة الحروب التى خاضتها والظروف السياسية والعسكرية التى أحاطت بها والنتائج التى ترتبت عليها
وتبقى حرب أكتوبر عام 1973 واحدة من أبرز المحطات الفاصلة فى التاريخ العسكرى المصرى والعربى فقد نجحت القوات المسلحة المصرية فى عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف وفرض واقع عسكري وسياسي جديد على جبهة القتال وهو إنجاز موثق لا يمكن تجاهله عند الحديث عن قدرات الجيش المصرى أو تاريخه القتالى
كما أن الحروب لا تقاس فقط بمساحة الأراضي التي يتم الاستيلاء عليها أو الاحتفاظ بها وإنما بأهدافها ونتائجها الاستراتيجية والسياسية وما تحققه من تغيير فى موازين القوى
أما الحديث عن الصدمة النفسية المزعومة التي يعاني منها الجيش المصري أمام إسرائيل فهو توصيف غير مستند إلى دليل موضوعي ولا يجوز تحويل الخلافات والتحديات العسكرية التي شهدتها المنطقة إلى أحكام عامة على الروح القتالية لمؤسسة عسكرية كاملة
وفي المقابل فإن التقييم المهني لأي مؤسسة عسكرية يجب ألا يستبعد دراسة التحديات المتعلقة بالتحديث والتدريب والتسليح والتكنولوجيا والقيادة والجاهزية ومواجهة الحروب الحديثة التي لم تعد تعتمد على القوات التقليدية وحدها بل أصبحت تشمل الطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية والأنظمة الصاروخية والقدرات الاستخباراتية
أما ما يتعلق بالدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية المصرية فهو ملف يمكن مناقشته من منظور اقتصادي ومؤسسي شفاف مع ضرورة التمييز بين طبيعة الأنشطة الاقتصادية وبين الدور الأساسي للقوات المسلحة في حماية الدولة وأمنها القومي وعدم استخدام هذا الملف ذريعة لإطلاق أحكام مطلقة تفتقر إلى الأدلة
وعلى صعيد القرن الإفريقي تبرز إثيوبيا باعتبارها دولة محورية في معادلة الأمن الإقليمي بسبب موقعها الجغرافي وثقلها السكاني ومشروعاتها المائية والعسكرية المتنامية وفي مقدمتها سد النهضة الذي يمثل قضية استراتيجية مباشرة بالنسبة لمصر نظرا لارتباطها بحقوقها المائية وأمنها المائي
لكن الخلاف المصري الإثيوبي لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب عدائي بين الشعبين فالشعوب ليست مسؤولة عن كل خلافات الحكومات كما أن استقرار دول حوض النيل والقرن الإفريقي يمثل مصلحة مشتركة لجميع شعوب المنطقة
أما الاتهامات المتعلقة بدعم مصر لجماعات مسلحة أو حركات انفصالية داخل إثيوبيا أو السودان أو ليبيا فهي اتهامات خطيرة لا يصح التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة دون أدلة موثوقة ومستقلة تحدد طبيعة الوقائع وتوقيتها والجهات المسؤولة عنها
ومن المهم أيضا إدراك أن منطقة البحر الأحمر لم تعد مجرد ممر ملاحي بل أصبحت واحدة من أهم ساحات التنافس الدولي والإقليمي نظرا لارتباطها بالتجارة العالمية وقناة السويس وأمن الطاقة والموانئ وخطوط الإمداد والممرات البحرية الاستراتيجية
ومن هنا تكتسب القوة العسكرية المصرية أهميتها باعتبارها جزءا من منظومة شاملة لحماية الأمن القومي وتأمين الحدود والمياه الإقليمية والمصالح الاستراتيجية للدولة
إن قوة الدول لا تصنعها الأسلحة وحدها وإنما تصنعها أيضا قوة الاقتصاد وتماسك المجتمع وكفاءة المؤسسات والتقدم العلمي والتكنولوجي والقدرة على بناء علاقات متوازنة مع المحيط الإقليمي والدولي
ومصر بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها وثقلها الإقليمي تواجه تحديات متعددة تتطلب رؤية استراتيجية طويلة الأمد تقوم على تطوير القدرات الدفاعية وتعزيز الاقتصاد وحماية الموارد المائية ودعم الاستقرار الإقليمي والتمسك بالحلول السياسية والدبلوماسية دون التفريط في الحقوق الوطنية
إن التشكيك غير المستند إلى الحقائق لا يصنع تقييما عسكريا ولا يغير من التاريخ كما أن الثقة الحقيقية في الدولة لا تعني تجاهل التحديات أو رفض النقد الموضوعي وإنما تعنى مواجهة المعلومات المغلوطة بالحقائق ومواجهة نقاط الضعف بالإصلاح والتطوير
وتبقى الرسالة الأهم أن أمن مصر القومى ليس قضية عسكرية فقط بل هو قضية وطنية شاملة تتطلب وعيا شعبيا ومؤسسات قوية واقتصادا قادرا على الصمود وسياسة خارجية تحافظ على التوازن وتحمى المصالح المصرية فى عالم تتغير فيه موازين القوة باستمرار
مصر لا تحتاج إلى المبالغة في وصف قوتها ولا إلى الانفعال أمام حملات التشكيك فالتاريخ والوقائع والعمل الجاد هى الأساس الحقيقى لأى تقييم موضوعى لمكانتها وقدراتها ودورها فى المنطقة








