اخبار مصر

التعريفة الموحدة للعداد الكودي.. كلفة الالتزام أعلى من طاقة الاحتمال

حجم الخط:

ما يحدث في ملف التعريفة الموحدة للعداد الكودي لا يمكن اعتباره مجرد إجراء مالي عابر بل هو نموذج واضح لسياسة سبقت أدواتها التنفيذية فاختل ميزانها على الأرض القرار تحرك بسرعة حاسمة بينما بقيت منظومة التقنين بطيئة ومعقدة فوجد المواطن نفسه يدفع الثمن كاملاً دون أن يحصل على المسار الكامل للشرعية

المواطن الذي قبل بالعداد الكودي لم يطلب دعماً استثنائياً بل طلب وضعاً مستقراً داخل الإطار القانوني دخل المنظومة على هذا الأساس لكنه اصطدم بتعريفة لا تفرق بين استهلاك محدود واستهلاك مرتفع فباتت الفاتورة لا تعكس سلوكه في الاستهلاك بقدر ما تعكس وضعاً إدارياً لم يكتمل

 

الخلل هنا ليس في مبدأ الإصلاح بل في طريقة تنزيله على الواقع حين يُلغى نظام الشرائح بالكامل لفئة واسعة من محدودي ومتوسطي الدخل ويتم تحميلهم سعراً موحداً مرتفعاً من أول كيلووات فإننا أمام تسعير منفصل عن العدالة الاجتماعية لأن الفارق بين من يستهلك قليلاً ومن يستهلك كثيراً لم يعد له وزن حقيقي في الفاتورة

 

الأخطر أن هذا الوضع يخلق مفارقة قاسية المواطن الذي بادر بالالتزام وتحمل تركيب العداد الكودي يدفع الآن أكثر ممن لم يدخل المنظومة بعد أو ممن يتمتع بعداد قانوني بنفس مستوى الاستهلاك هذه المفارقة لا تُفهم اقتصادياً ولا تُقبل اجتماعياً لأنها تقلب منطق الحوافز رأساً على عقب

 

القرار في صورته الحالية يضغط على شريحة لا تملك أدوات المناورة لا هي قادرة على استكمال إجراءات التصالح بسرعة بسبب التعقيد ولا هي قادرة على تحمل تكلفة موحدة مرتفعة لفترة طويلة وهنا يتحول الضغط من كونه إجراءً تنظيمياً إلى عبء يومي مستمر

 

ربط المحاسبة بوضع العقار بدلاً من حجم الاستهلاك يبتعد عن أبسط قواعد العدالة في تسعير الطاقة لأن الهدف من أي منظومة كهرباء هو إدارة الاستهلاك بكفاءة لا معاقبة وضع إداري مؤقت وإذا استمر هذا الربط فإن النتيجة الطبيعية هي تآكل الإحساس بالإنصاف داخل المنظومة

 

من زاوية أوسع فإن أي سياسة إصلاح لا توازن بين سرعة التحصيل وسرعة التيسير تضع نفسها تحت ضغط الاستدامة لأن التحصيل المنتظم لا يتحقق بالقوة وحدها بل بالقبول العام وعندما يشعر المواطن أن الفاتورة لا تعكس قدرته ولا استهلاكه فإن هذا القبول يتراجع تدريجياً

 

المطلوب ليس إيقاف الإصلاح بل تصحيح مساره بشكل حاسم وضع آلية انتقالية عادلة للعدادات الكودية تعيد ربط السعر بالاستهلاك تسريع فعلي لإجراءات التصالح بمدد زمنية واضحة الفصل بين تقنين الوضع العقاري ومحاسبة الاستهلاك حتى لا يتحمل المواطن عبئين في وقت واحد

 

القضية هنا ليست أرقاماً على فاتورة بل ثقة في منظومة كاملة لأن استمرار الوضع الحالي يبعث برسالة غير مقصودة مفادها أن الالتزام مكلف أكثر مما ينبغي وهذه رسالة تحتاج مراجعة عاجلة حتى يظل القانون هو الخيار الأسهل والأكثر استقراراً للجميع

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى