البحر الأحمر فى حسابات إثيوبيا.. طموح الوصول إلى المياه الدافئة يصطدم بحقائق السيادة والأمن القومى

تعود قضية البحر الأحمر إلى واجهة المشهد السياسى والاستراتيجى فى منطقة القرن الإفريقى مع تجدد التصريحات الإثيوبية بشأن ضرورة الحصول على منفذ بحري مستدام باعتبار ذلك أحد الأهداف الرئيسية للرؤية الاقتصادية والجيوسياسية لرئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد.
وفي أحدث تصريحاته يوم 24 أكتوبر 2026، وصف آبى أحمد الوصول إلى البحر بأنه قضية وجودية ترتبط بأمن إثيوبيا ومستقبلها الاقتصادي والسيادى مشيراً إلى أن بلاده التى يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة تحتاج إلى ضمان وصول مستقر إلى الموانئ والأسواق العالمية.
لماذا تتمسك إثيوبيا بالوصول إلى البحر الأحمر؟
تستند الرؤية الإثيوبية إلى مجموعة من الاعتبارات الاقتصادية والاستراتيجية يأتى فى مقدمتها اعتماد البلاد بصورة كبيرة على الموانئ الخارجية وخاصة ميناء جيبوتى الذى تمر عبره النسبة الأكبر من تجارتها الخارجية.
كما ترى أديس أبابا أن الاعتماد على موانئ الدول المجاورة يفرض عليها أعباء مالية ولوجستية كبيرة، ويجعل حركة تجارتها مرتبطة بالظروف السياسية والأمنية فى المنطقة.
وتستحضر إثيوبيا كذلك تاريخها السابق قبل استقلال إريتريا عام 1993، عندما كانت تتمتع بإمكانية الوصول المباشر إلى البحر الأحمر عبر موانئ عصب ومصوع.
لكن أين تقف حدود الطموح الإثيوبي؟
هنا تبرز القضية الأكثر حساسية، وهي ضرورة التمييز بين الحق في الوصول التجاري إلى الموانئ، وبين المطالبة بامتلاك منفذ سيادي أو الحصول على وجود عسكري على سواحل دولة أخرى.
فالحاجة الاقتصادية لا تعني امتلاك حق تلقائي في أراضي الغير، كما أن الاعتبارات التاريخية لا تلغي الحدود والسيادة الوطنية للدول المستقلة.
ومن ثم فإن أي ترتيبات مستقبلية بشأن استخدام الموانئ أو إنشاء مناطق لوجستية أو الحصول على تسهيلات تجارية يجب أن تقوم على اتفاقات واضحة وموافقة الدول صاحبة السيادة، وبما يتفق مع القانون الدولي.
مصر والبحر الأحمر.. أمن إقليمي لا يقبل الترتيبات الأحادية
تتعامل مصر مع البحر الأحمر باعتباره ممراً استراتيجياً يرتبط مباشرة بالأمن القومي المصري والعربي، وبأمن قناة السويس والتجارة الدولية وحركة الملاحة العالمية.
وقد أكدت القاهرة في مواقف رسمية متكررة أن أمن البحر الأحمر وحوكمته مسؤولية الدول المطلة عليه، مع ضرورة احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها ورفض أي إجراءات أحادية من شأنها تهديد استقرار المنطقة.
كما أن الموقف المصري يميز بين التسهيلات التجارية التي يمكن الاتفاق عليها مع الدول المعنية، وبين أي ترتيبات عسكرية أو أمنية تفرض واقعاً جديداً على البحر الأحمر دون موافقة دوله الساحلية.
القرن الإفريقي أمام اختبار التوازنات الاستراتيجية
إن استمرار إثيوبيا في طرح قضية الوصول إلى البحر الأحمر بهذه الأهمية يضع منطقة القرن الإفريقي أمام معادلة دقيقة، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والسياسية والتاريخية.
فمن حق إثيوبيا أن تبحث عن حلول عملية لتقليل تكاليف تجارتها وتأمين احتياجاتها البحرية، ومن حق الدول المطلة على البحر الأحمر في المقابل حماية أراضيها ومياهها وسيادتها الوطنية.
والحل الذي يمكن أن يحقق الاستقرار لا يقوم على فرض الأمر الواقع أو استدعاء الخلافات التاريخية، وإنما على التفاوض والاتفاقات المتبادلة والمصالح المشتركة.
الخلاصة
البحر الأحمر ليس مجرد منفذ تجاري تبحث عنه إثيوبيا، بل منطقة استراتيجية تتقاطع عندها مصالح دول عديدة، وتؤثر تطوراتها بصورة مباشرة في أمن المنطقة العربية والإفريقية.
وستظل القضية مرهونة بقدرة الأطراف المعنية على تحقيق التوازن بين احتياجات إثيوبيا الاقتصادية وحقوق الدول الساحلية، دون المساس بسيادة أي دولة أو تحويل البحر الأحمر إلى ساحة جديدة للصراعات والتنافس العسكرى.
إن التعاون الاقتصادى حق مشروع عندما يقوم على الاتفاق أما السيادة الوطنية فليست محل تفاوض بالإكراه.








