منوعات

أين ذهبت النخوة؟ ولماذا أصبح كلٌّ منّا يعيش لنفسه فقط؟

حجم الخط:

 السنوات الأخيرة أصبحنا نعيش حالة غريبة… كل فرد منشغل بنفسه فقط، كأنما كل واحد فينا حابس نفسه داخل “دوَّامة” لا يرى فيها إلا مصلحته الشخصية. نرى الخطأ أمام أعيننا ولا نتحرك. نرى الظلم ولا ننطق. نرى الجريمة ولا نشهد. نرى التحرش والاعتداء ولا نكلف أنفسنا حتى بكلمة “عيب”.
وكأن لسان حال الجميع يقول: “مدام بعيد عني وعن أهلي… ماليش دعوة.”
لكن… أليس هذا ضد الدين؟
أليس هذا عكس ما جاء به القرآن الكريم حين قال الله تعالى:
 ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾
هذه ليست آية تُقرأ فقط… هذه مسؤولية.
وجاء في سنة النبي ﷺ قوله:
"مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ."
فإذا كنا اليوم لا نغيّر بأيدينا… ولا بألسنتنا…
فهل وصلنا لمرحلة أن قلوبنا نفسها لم تعد تنكر الخطأ؟
ثم تأمل قوله تعالى:
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾
كيف نتعاون على البر ونحن نرى المصائب والاعتداءات فلا نحرك ساكنًا؟
كيف نكون أمة نبي الرحمة ﷺ ونحن نرى الظلم ونقبل به صمتًا؟
اليوم نسمع عن وقائع اغتصاب، تحرش، تنمر، اعتداءات لفظية وجسدية… كبار وصغار. والمجتمع واقف يتفرج.
لا حياء، لا غيرة، لا نخوة… مجرد مشاهدين صامتين.
تخيل — فقط تخيل — أن ما يحدث للغريب يحدث لأمك، لأختك، لزوجتك، لابنتك…
هل ستظل واقفًا تتفرج؟
هل ستبحث وقتها عن مصلحتك فقط؟
وما أروع قول النبي ﷺ:
"مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمّى."
متفق عليه
لكن… أين الجسد الواحد الذي يشعر بألم الآخر؟
أين الأمة التي كانت لا تترك مظلومًا ولا تترك منكرًا ينتشر؟
الشارع اليوم ينادي أصحاب المروءة:
أين أنتم؟
أين الرجال وقت الشدائد؟
أين الشهامة التي كانت تُضرب بها الأمثال؟
أين النخوة التي كانت تسبق الكلمة والفعل؟
لسنا مطالبين بأن نحارب الدنيا… لكننا مطالبون أن نصحو، أن نستعيد إنسانيتنا، أن نرفض الخطأ بدلًا من تبريره، وأن نفهم أن المجتمع لا يقوم بفرد واحد، بل بمجتمع كامل يشعر ببعضه.
يا رجال المواقف…
يا من بقي في قلوبهم ذرة غيرة…
أفيقوا قبل فوات الأوان.
فالصمت اليوم جريمة… والتخاذل مشاركة… والسكوت علامة ضعف لا شهامة.
وأعظم ما نختم به قول الله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾
 

زر الذهاب إلى الأعلى