أما السفينة وأما الغلام وأما الجدار

ليس كل ما ينكسر في حياتك خسارة وليس كل ما يؤلمك عقوبة. فكثير من أقدار الله لا تُفهم عند وقوعها وإنما تتجلى حكمتها مع مرور الزمن. وبين ما يراه الإنسان بعينيه وما يقدره الله بعلمه مسافة لا يملؤها إلا الإيمان والصبر واليقين.
المشكلة ليست في الأحداث التي تمر بنا بل في استعجالنا الحكم عليها. أصبح الإنسان يريد تفسيرًا فوريًا لكل ما يحدث وإجابة عاجلة عن كل سؤال. فإذا تأخر الرزق ظنه حرمانًا وإذا ضاع حلم ظنه نهاية وإذا أغلق باب اعتقد أن الحياة قد أغلقت أبوابها كلها. بينما الحقيقة أن الزمن وحده قد يكشف أن ما اعتبره خسارة كان أعظم أسباب نجاته.
وفي سورة الكهف يقدم القرآن نموذجًا خالدًا لهذا المعنى. ثلاثة مواقف بدت في ظاهرها صادمة لكنها كانت في حقيقتها عدلًا ورحمة.
سفينة تُخرق بيد رجل صالح فيستنكر موسى عليه السلام ما رأى ثم يكتشف أن ذلك الخرق لم يكن إفسادًا بل حماية من ملك يغتصب كل سفينة صالحة.
وغلام يُقتل فيبلغ الألم ذروته ثم تتكشف الحقيقة بأن الله أراد أن يجنب والديه فتنة عظيمة وأن يبدلهما خيرًا منه زكاة وأقرب رحمًا.
وجدار يقيمه الخضر في قرية بخل أهلها حتى بإطعام ضيفين فيتعجب موسى مرة أخرى قبل أن يعلم أن وراء الجدار كنزًا ليتيمين وأن حفظه اليوم هو حماية لمستقبلهما غدًا.
ثلاثة مشاهد وثلاثة اعتراضات وثلاثة أسرار لم يكن العقل البشري قادرًا على إدراكها قبل أن يكشفها الوحي. وهنا تتجاوز القصة حدود الزمان لتصبح رسالة لكل إنسان يمر بابتلاء أو فقد أو تأخير أو انكسار. إنها تعلمنا ألا نصدر أحكامنا على الأقدار من لحظتها الأولى لأن ظاهر الأحداث ليس دائمًا حقيقتها.
كم من وظيفة ضاعت فكانت بداية نجاح أكبر. وكم من مشروع تعثر فأنقذ صاحبه من خسارة أفدح. وكم من شخص غادر حياتك فاكتشفت بعد سنوات أن رحيله كان رحمة لا مصيبة. وكم من أمنية تأخر تحقيقها حتى جاء موعدها في الوقت الذي اختاره الله لا في الوقت الذي اختاره الإنسان.
الإيمان الحقيقي لا يعني أن تعرف الحكمة من كل ابتلاء بل أن تؤمن بوجودها حتى وإن غابت عنك. فالله يدبر الأمور بعلم يحيط بالماضي والحاضر والمستقبل بينما الإنسان لا يرى إلا جزءًا صغيرًا من المشهد. ولهذا فإن الثقة بالله ليست خيارًا عند اشتداد المحن بل هي أساس النجاة منها.
ويبقى قول الله تعالى هو الخاتمة التي تختصر المعنى كله.
﴿ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرًا﴾
بين السفينة التي خُرقت فنجت والغلام الذي مات فكان في موته رحمة والجدار الذي أُقيم فحفظ كنزًا تتجلى حقيقة لا تتغير. أن الإنسان يحكم بما يرى والله يقضي بما يعلم. وما بين نظر الإنسان وعلم الله تتجسد أعظم معاني الإيمان. فليس كل ما يؤلمك شرًا وليس كل ما تتمناه خيرًا وإنما الخير كل الخير فيما اختاره الله لك وإن خفيت حكمته اليوم فإنها ستبقى حقًا لا يتبدل ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾.








