فن وثقافة
الوعي بين الأمس والغد: حوار مع الكاتب عبد الله مهدي حول “الحج في مصر عبر العصور

حجم الخط:
في رحاب النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، وتحت رعاية الأستاذ الدكتور علاء عبد الهادي، أقيمت حلقة نقاشية أدارها الكاتب والباحث عبد الله مهدي، رئيس لجنة الحضارة المصرية القديمة، حيث فُتحت فيها آفاق جديدة لقراءة تاريخ الروح المصرية. وفي جلسة اتسمت بالعمق الفكري، جرى الحوار التالي معه حول فلسفة هذا الحدث وأبعاده الحضارية:
كانت البداية مع الرؤية التي طرحها الكاتب عبد الله مهدي في استهلال الندوة، حين اعتبر أن انشغال الباحثين بالتنقيب في أغوار الحضارة المصرية القديمة ليس مجرد ارتداد عاطفي إلى ماضٍ سحيق، أو محاولة للاحتماء بـ “فردوس مفقود” هرباً من تحديات الحاضر. ويرى مهدي أن هذا الاهتمام هو في جوهره عملية “اكتشاف للقوانين” التي تحكم دورات الازدهار والانحطاط، مؤكداً أن الوعي بهذه القوانين هو السبيل الوحيد لصياغة مشروع حضاري معاصر يليق بمكانة مصر “الجيوبوليتيكية” وتاريخها التليد.
وعند الانتقال إلى عمق الموضوع، استعرض مهدي كيف تجلى “التواصل الحضاري” في الشخصية المصرية من خلال شعيرة الحج. فالحج عند المصري لم يكن مجرد طقس، بل هو “زيارة دورية” تشبع غريزة وجودية سماها المصرى القديم (حن / حنو)، وهو الجذر الذي تنبثق منه معاني الحنان والحنين. هذا “الحنين الأبدي” قاد المصريين منذ الألف الرابعة قبل الميلاد إلى “أبيدوس” (مدينة الأبد) ليغرسوا الأشجار بجوار مقام “أوزير”، في تقليد روحي ما زلنا نلمس آثاره حتى اليوم في عاداتنا الجنائزية وفي محلات الزهور التي تحيط بالجبانات.
وفي ثنايا الحوار، برز التساؤل حول كيفية انتقال هذا الموروث إلى العصور اللاحقة، حيث أشار مهدي إلى الأوراق البحثية التي قدمها المشاركون؛ فمن جهة فصّل الباحث إسحاق الباجوشي في عادات “الحج المسيحي” وتجلياته في الأدب الشعبي والوشم والأيقونات، ومن جهة أخرى استفاضت الدكتورة أمل الطيب في تحليل “أغاني الحج” الإسلامية كمرآة لنسق ثقافي يمثل “عبوراً نحو الكمال الديني”. هذه الممارسات، في نظر مهدي، ليست مجرد طقوس منفصلة، بل هي حلقات في سلسلة واحدة تؤكد أن الوجدان المصري يمتلك ذاكرة جماعية عابرة للأزمان.
واختتم الكاتب عبد الله مهدي حديثه بالتأكيد على أن هذه التقاليد هي التي تشكل الهوية وتربط بين الأجيال، مشيراً إلى أن تكريم النماذج الفاعلة في نشر الوعي، مثل الإعلامية منال رضوان، هو جزء أصيل من دور اللجنة في تدعيم الذات الحضارية. فالهدف في النهاية هو أن يظل المصري متصلاً بجذوره، مستخلصاً منها الدروس التي تعينه على بناء حاضره ومستقبله، بعيداً عن مجرد “التعويض” النفسي بأمجاد الأسلاف









