18:10 | 23 يوليو 2019

الكاتب والناشر.. شراكة أم استغلال؟

12:08pm 11/03/25
احمد عزيز الدين احمد
احمد عزيز الدين احمد

في عالم النشر، يفترض أن تكون العلاقة بين الكاتب ودار النشر شراكة متكافئة، قائمة على الاحترام المتبادل، حيث يسهم الكاتب بإبداعه وجهده، وتتكفل دار النشر بإيصال هذا الإبداع إلى القرّاء. لكن الواقع غالبًا ما يكون مختلفًا، إذ يجد الكاتب نفسه في معادلة غير عادلة، يتحول فيها من مبدع إلى مجرد مورد للنصوص، ومن شريك إلى طرف مغبون، لا يرى ثمرة جهده كما ينبغي.
الإبداع في مواجهة السوق
الكتابة ليست مجرد مهنة، بل هي عملية إبداعية تتطلب وقتًا وجهدًا وخبرةً حياتية ومعرفية، لكنها في النهاية تصطدم بواقع اقتصادي لا يعترف بالقيم بقدر ما يعترف بالأرباح. هنا يبدأ الصراع بين الكاتب الذي يحلم بأن يصل إبداعه إلى الجمهور، ودار النشر التي تنظر إلى الأمر كعملية تجارية، حيث يصبح معيار النجاح لديها ليس جودة النص أو أهميته الثقافية، بل مقدار ما يحققه من مبيعات.
وهنا تكمن المفارقة: الكاتب يكتب بدافع الشغف، يضحي بوقته وصحته وربما استقراره النفسي والمالي في سبيل إنجاز عمل يستحق القراءة، لكنه حين يسلم مخطوطه إلى دار النشر، يكتشف أن الشغف وحده لا يكفي. فالنص، الذي كلفه ليالي من الأرق والتفكير، يتحول إلى سلعة تخضع لحسابات السوق، وفي كثير من الأحيان، لا يعود عليه منها إلا الفتات، إن عاد عليه شيء أصلًا.
العقود المجحفة وأزمة الحقوق
حين يدخل الكاتب إلى عالم النشر، غالبًا ما يواجه صدمة العقود المجحفة، التي تعطي دار النشر اليد العليا في كل شيء: من نسب الأرباح غير العادلة، إلى عدم الشفافية في التقارير المالية، إلى المماطلة في الدفع، بل وأحيانًا الاستيلاء على الحقوق الفكرية للكتاب بطرق ملتوية.
بعض دور النشر تتعامل مع الكاتب وكأنه موظف لديها، وليس شريكًا في العملية الإبداعية. في المقابل، عندما يطالب الكاتب بحقه في الأرباح، يجد نفسه أمام وعود مؤجلة، ومبررات لا تنتهي، حتى يصل إلى مرحلة يدرك فيها أن مبيعات كتابه تحقق أرباحًا جيدة، لكنه لا يرى من هذه الأرباح شيئًا.
والأدهى من ذلك، أن بعض الدور تلجأ إلى إعادة طباعة الكتب دون إبلاغ الكاتب، بل قد تستمر في بيعها لسنوات دون أن تصله أي بيانات عن المبيعات. هنا، يصبح السؤال مشروعًا: هل الناشر وسيط بين الكاتب والقارئ، أم أنه مستثمر يسعى للربح على حساب الكاتب؟
الكاتب.. ذلك الطرف المنسي
في الوقت الذي تحصل فيه دور النشر على حصتها كاملة، من أسعار الطباعة والتوزيع، وتحصل المكتبات على نسبتها، يبقى الكاتب هو الطرف الوحيد الذي لا ينال حقه كما ينبغي.
هذا لا يعني أن جميع دور النشر ظالمة أو جائرة، فهناك دور نشر تحترم حقوق الكاتب وتسعى لإنصافه، لكنّ السوق تعج بالعديد من الدور التي ترى في الكاتب مجرد مصدر دخل، وليس كيانًا إبداعيًا يستحق التقدير.
والنتيجة؟ عزوف الكثير من الكُتاب عن النشر التقليدي، أو اضطرارهم إلى اللجوء إلى النشر الذاتي، الذي رغم عيوبه الكثيرة، يظل أحيانًا أقل ضررًا من الوقوع في فخاخ دور نشر لا تلتزم بأبسط معايير العدل والشفافية.
العدل أساس الاستمرار
يا أصحاب دور النشر، تذكروا أن الكاتب ليس مجرد رقم في حساباتكم المالية، بل هو أساس الصناعة التي تقومون عليها. لا كتاب، لا صناعة نشر. فلا تجعلوا من الشغف فخًا، ولا من الإبداع تجارة قائمة على الاستغلال.
إن منح الكاتب حقه ليس تفضّلًا، بل هو حق أصيل. وكما أنكم لا تقبلون أن تضيع أرباحكم بين الوسطاء، لا تطلبوا من الكاتب أن يبدع لكم دون مقابل. فالكاتب، شأنه شأن أي مبدع، يحتاج إلى ما يعينه على الاستمرار، وحين تحرموه من حقوقه، فإنكم لا تظلمونه فقط، بل تظلمون الأدب نفسه، وتساهمون في إضعاف المشهد الثقافي.
خاتمة: هل يستمر الإبداع بلا إنصاف؟
التاريخ الأدبي يشهد أن العظماء في الكتابة لم يكونوا دائمًا أثرياء، بل إن كثيرًا منهم عانوا من التهميش، لا لأن إبداعهم لم يكن يستحق، بل لأن السوق لم يكن عادلًا معهم. فهل نريد اليوم أن نكرر الأخطاء ذاتها؟
إن لم يكن هناك تغيير في طريقة تعامل دور النشر مع الكُتاب، فإننا سنخسر الكثير من الأصوات الإبداعية، وسنجد أنفسنا أمام مشهد ثقافي جاف، لا يعبّر عن جوهر الأدب، بل يعكس فقط منطق السوق.
إنصاف الكاتب ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو ضرورة ثقافية وحضارية. فالكلمة هي التي تبني العقول، وهي التي تصنع التغيير. ومن يسرق حقوق الكاتب، يسرق جزءًا من ضمير المجتمع.
فإلى أصحاب دور النشر نقول: أعطوا كل ذي حق حقه، قبل أن يتحول الأدب إلى مجرد تجارة بلا روح، وحينها لن تجدوا ما تنشرونه أصلاً.
 

تابعنا على فيسبوك

. .
izmit escort batum escort
bodrum escort
paykasa bozum
gazianteplie.com izmir escort
18 film izle erotik film izle
deutsch porn