عبد الحى عطوان يكتب: كان دائمًا يراودها حلم عودته!

كان النهار قد حل والشمس أرخت ستائرها الذهبية، شعرت سناء ببرد خفيف ينتاب جسدها النحيل، وسرت رعشة خفيفة بين أطرافها اغتالت هدوءها، فقد عاودتها الرجفة مرة أخرى، وتملك من جسمها الخوف.. جعلتها الوحدة أكثر جنونًا، وصارت عصبية لأتفه الأسباب، أمضت سنوات طويلة بعد فراق أمها تبكيها كلما هفت إلى نفسها، تراودها كل الأشياء تناجيها بل تتحدث معها بصوت عالٍ وكأن مسًا أصابها، كيف كانت تضفر لها خصلات شعرها القصير؟ كيف كانت تصطحبها إلى المكتبة لتشتري لها كراستها وأقلامها؟ ما زال عالقًا بعينيها قطعة الحلوى التي تدسها داخل حقيبتها المصنوعة من القماش كلما همّت إلى المدرسة كل صباح، لم تسقط من ذاكرتها كل حكاوى الطفولة فقد كانت تتقافز دائمًا أمام عينيها بحلوها ومرها، لم تنسَ لحظة كلماتها: كوني يومًا ما امرأة أنيقة هادئة واحصلي دائمًا على لقب "بنت الأصول".
دائمًا ما كان ينقضي يومها موزعًا بين أحزانها على أمها وعلى ترك الزوج لها بعد كل هذا العمر، كانت تهمس لنفسها: لماذا أعيش داخل كل هذه الذكريات؟ ولماذا تراودني تلك الأحزان؟ حتى بعد أن أصبحت مسؤولة عن أسرة كبيرة، فالابن الأكبر حازم قد اجتاز اختبارات الهندسة وتم تخرجه ، والابنة خديجة تتلقى دروسها داخل جدران كلية التربية، والابن الأصغر محمود ما زال بالثانوية العامة، لماذا يسترسل القلق بداخلي؟ ولماذا تأتي إلى صورته كلما غفت عيناي؟ هل ما زلت في احتياج إلى احتوائه الذي كنت أغرق فيه كلما احتضنتني يداه؟ هل ما زلت في احتياج إلى نظراته الدافئة؟ التي كانت تجعلني أذوب عشقًا بين ثنايا وجدانه، كيف تبدل كل هذا ليهاجر ولا يعود؟
انزوت في أحد أركان منزلها الصغير، حاولت أن تكتب أي شيء، أن تخرج من ذلك اللقب الذي طوقت به نفسها لسنوات، لم تتذكر طيلتها سوى أحاديثه ونظرات عينيه، كان كل همها أن تلملم قصائدها وأن تجلس يوميًا تنتظر عودته، وما بين الصمت والحروف المبعثرة كان ذلك المارد يزلزل أعماقها، يذكرها بلحظة سماعها آخر كلماته قبل هجرها، حاولت نسيانه لكنه كان يهفّ عليها في غفوتها.
أمسكت بالقلم وضعته في المحبرة، كتبت بيديها التي ترتعشان: أشتاق إليك وإلى دفء الأيدي وعناق الأجساد، عد لبيتك فكفاك هجرًا! فقد حفر الزمن علاماته على وجهي والأرض أصبحت قفرًا، فمن دونك لا حياة، عد فكل شيء بداخلي يحتاج إليك.
هبّت إلى شرفتها تراقب المارين بالشارع تتفحص الوجوه، كان يراودها دائمًا أمل العودة، مهما مرت الأيام بطيئة وثقيلة، نشرت أوصافه على جدران الزمن، حتى لا تتوه ملامحه تتذكر بين الحين والآخر ضحكاته، كلماته، مداعبته لها عن تسريحة شعرها، غزله في رائحة عطرها عندما يلتقيان، وكلما أضعفها الحنين تعود بذاكرتها إلى كلمات الأم ووصيتها أن تحمل دائمًا داخل مأساتها لقب "بنت الأصول"، لكن كان دائمًا لديها أمل أن يعود.
وفي أحد الأيام وكأن القدر أراد أن ينصفها بعد رحلتها الطويلة، جاءها صوته عبر رنات الهاتف، قائلاً: هل تسامحينني؟ أحتاج أن أعود فقد اشتقت إليك، لكل شيء الأولاد ورائحة المنزل وعينيك وطريقة نطقك للكلمات.. أعترف أغواني الزمن، بعتك وبعت كل شيء، فهل ما زال بقلبك لي ركن صغير؟
وهي ما بين الصدمة، والتيه، ورحلة الزمن، والوحدة، والحروف المتعثرة والشوق والقهر ولقب "بنت الأصول"، واحتياج الأولاد، سقطت مغشيًا عليها مرددة عد فمازال فؤادى يعشقك فقد كان دائماً حلمى أن تعود !!