شئون دولية

بوركينا فاسو تفاجئ العالم بفائض مالي يتجاوز 117 مليون دولار خلال 90 يوما وتحول اقتصادي يفتح أبواب السيادة الوطنية

حجم الخط:

في تطور اقتصادي لافت يعكس تحولا مهما في إدارة الموارد العامة أعلنت بوركينا فاسو تحقيق فائض في الموازنة العامة بلغ نحو 66.33 مليار فرنك إفريقي بما يعادل قرابة 117.4 مليون دولار خلال الربع الأول من عام 2026 في نتيجة اقتصادية أثارت اهتماما واسعا داخل الأوساط الأفريقية والدولية.

 

ووفقا للبيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة البوركينية فإن هذا الأداء يمثل تحولا واضحا مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025 عندما سجلت البلاد عجزا في الموازنة العامة بلغ نحو 52.68 مليار فرنك إفريقي وهو ما يعكس تحسنا كبيرا في مؤشرات إدارة الإيرادات والنفقات الحكومية.

 

وتأتي هذه النتائج في ظل توجه تقوده السلطات في واغادوغو نحو تعزيز الاستقلال الاقتصادي وتوسيع الاعتماد على الموارد المحلية وتحسين كفاءة تحصيل الإيرادات العامة في إطار رؤية تستهدف تقوية مؤسسات الدولة وتقليل الاعتماد على التمويلات الخارجية.

 

الإيرادات العامة تتجاوز المستهدف

 

وكشفت البيانات الرسمية أن الإيرادات الحكومية التي جرى تحصيلها خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 تجاوزت المستهدف المقرر للفترة محققة معدلات تحصيل بلغت نحو 107 بالمئة من المستهدف وهو ما يعكس تحسنا في أداء المؤسسات الضريبية والمالية وقدرتها على تعبئة الموارد المحلية.

 

كما سجلت الخزانة العامة تحسنا في موقفها المالي حيث بلغت المدفوعات التي دخلت حسابات الخزانة نحو 1453.44 مليار فرنك إفريقي مقابل مدفوعات خارجة بلغت 1245.33 مليار فرنك إفريقي وهو ما أسفر عن رصيد نقدي دائن تجاوز 208 مليارات فرنك إفريقي.

 

الثروات الوطنية في قلب معركة الاستقلال الاقتصادي

 

ويمثل ملف الثروات المعدنية وفي مقدمتها الذهب أحد أهم الملفات الاستراتيجية في مسيرة بوركينا فاسو الاقتصادية باعتبار الذهب موردا رئيسيا يمكن أن يسهم في تمويل مشروعات التنمية وتعزيز الإيرادات العامة وتوفير فرص العمل.

 

وتتجه السلطات البوركينية إلى تعزيز دور الدولة في إدارة الموارد التعدينية وتوسيع الاستفادة الوطنية من عائداتها بما يعزز مفهوم السيادة على الثروات الطبيعية ويضع المصالح الاقتصادية للشعب في مقدمة الأولويات.

 

وفي هذا السياق برزت خطوات حكومية لتأسيس صندوق سيادي للاستثمار في قطاع التعدين بهدف توجيه الموارد نحو مشروعات استثمارية وتنموية طويلة الأجل.

 

السيادة الاقتصادية لا تتحقق بالشعارات وحدها

 

إن التجربة البوركينية تفتح بابا مهما للنقاش حول قدرة الدول الأفريقية على إعادة بناء سياساتها الاقتصادية واستغلال ثرواتها الطبيعية بصورة أكثر كفاءة وعدالة بعيدا عن أنماط التبعية الاقتصادية التي عانت منها القارة لسنوات طويلة.

 

لكن القراءة المهنية لهذه الأرقام تقتضي التأكيد أن تحقيق فائض خلال ربع عام يمثل مؤشرا إيجابيا مهما وليس دليلا منفردا على اكتمال النهضة الاقتصادية أو انتهاء التحديات المالية والأمنية التي تواجه البلاد إذ تظل هناك حاجة إلى استمرار الإصلاحات وتحقيق الاستقرار وتوسيع الاستثمارات وتحويل الفوائض المالية إلى خدمات وفرص عمل ومشروعات يشعر المواطن بعائدها المباشر.

 

كما أن الموازنة السنوية لعام 2026 لا تزال تتضمن عجزا مستهدفا وفقا للتقديرات الرسمية وهو ما يجعل من الضروري التمييز بين الفائض المحقق خلال الربع الأول والتوازن المالي على مدار العام بأكمله.

 

أفريقيا أمام فرصة جديدة لاستعادة قوتها الاقتصادية

 

ما يحدث في بوركينا فاسو يحمل رسالة مهمة إلى القارة الأفريقية مفادها أن امتلاك الثروات الطبيعية وحده لا يكفي لتحقيق التنمية وإنما تحتاج الدول إلى إدارة رشيدة وشفافية ومؤسسات قوية وسياسات اقتصادية تضع مصلحة المواطن فوق أي اعتبار.

 

إن استعادة القرار الوطني والسيطرة على الموارد وتعظيم الإنتاج المحلي تمثل ركائز أساسية لبناء اقتصاد مستقل قادر على مواجهة الأزمات وتحقيق التنمية المستدامة.

 

وتبقى التجربة البوركينية محل متابعة وتقييم خلال المرحلة المقبلة لمعرفة مدى قدرة هذه المؤشرات الإيجابية على الاستمرار والتحول إلى نهضة اقتصادية حقيقية تنعكس على مستوى معيشة المواطنين.

 

فالأوطان لا تنهض بالشعارات وحدها وإنما بالعمل والإنتاج وحسن إدارة الثروات وتحويل الإمكانات إلى إنجازات حقيقية تخدم الشعوب وتصون استقلال الدول.

زر الذهاب إلى الأعلى